فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 176

وليست الخطابة اليوم -كما كانت في الزمن القديم- كلامًا يُلقى من وَحْي الفطرة، بل هي اليوم فن له قواعده وأصوله، فمن واجب الخطيب أن يدرس موضوعه ويعده، أو يرسم معالمه وطريقة تناوله، ثم يرتجل، ومما يساعده على الارتجال أن يكون جريء القلب، غزير الاطلاع، سريع البديهة، حاضر الذهن، ثريًّا باللغة، واثقًا من نفسه وبتوفيقه.

ولقد يضطر الخطيب إلى الارتجال اضطرارًا كان يكون في

حفل ويُدعى فجاءة إلى الكلام، أو في جمع ويحدث حدث يستدعي منه المقال، أو يكون قد أعد خطبته ولكن حدث ما أنساه بعضها فيرتجل، وكأن الخطبة كلها في ذاكرته.

ومن مزاياه فوق ذلك أنه يعين الخطيب على تعبير خطبته مطابقة لما يجدُّ من أمور، لأنه إن تقيد بما أعده وحفظه أفلتت منه فرص كثيرة من الخير أن ينتهزها، وقيّد نفسه بمتابعة تفكيره هو لا تفكير السامعين.

على أن بعض الخطب لا يلائمه إلا الارتجال، فحيثما كانت إثارة واستمالة وعاطفة متدفقة كان الارتجال وسيلة الخطيب، فالخطبة الحربية في الميدان، والخطبة الدينية الواعظة، والناحية التأثيرية من الخطبة القضائية والسياسية، وخطب التهنئة والترحيب، هذه كلها يجب أن تكون مرتجلة لا معدة، لأن الإعداد يضعف تأثيرها، ويحول بين الخطيب والتدفق، ويشغله عن استغلال الظروف الطارئة، ومتابعة نفسية السامعين.

الإعداد:

وللإعداد مزايا، لأن الأساليب المرتجلة أقل بهاء ورونقًا من المعدّة، أما الأفكار المرتجلة فإنها فجّة مبتسرة إذا قيست بالأفكار المدروسة الناضجة المختمرة، ثم إن ظهور الخطيب أمام الجمع بمظهر المجازف الذي لم يُعد القول فيه اعتداد بالنفس، واستهانة بالحاضرين، وتبجح بعدم الاهتمام، ودعوى أن خاطر الخطيب أسرع من خواطر الناس، وهذه كلها صفات لا ترتضيها الجماعات.

ولقد يعسر على المرتجل تفكيرًا وتعبيرًا أن يعالج الموضوع،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت