فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 176

وأن يصل منه إلى نتيجة، فهو كساع إلى الهيجا بغير سلاح، أو كهائم لا يعرف وجهته ولا المسالك إليها ويرتجل الكلام وليس فيه سوى الهذيان من حَشو الخطيب.

وكان كثير من البلغاء القدامى يعدون خطبهم ويهذبونها، ويتمرنون على إلقائها، هكذا كان يفعل شيشرون، وكان كانتليان من أساتذة الخطابة عند اللاتين يرى أن الارتجال لا يتهيأ للمرء إلا في آخر عمره بعد أن يكون قد تدرب وتمرن، وكتاب الجمهورية لأفلاطون يوضح أن جميع خطباء أثينا كانوا ينمقون العبارات قبل أن يلقوا خطبهم، ولذا تتراءى فيها آثار التعمل والتنقيح والإعداد.

وكان محظورًا على غير المتقاضين أن يترافعوا في المحاكم، فاحترف السفسطائيون إعداد الخطب وبيعها لأصحاب القضايا ليستظهروها ويلقوها في المحاكم"كانوا يجلسون على أفواه الطرق إلى جانب المحاكم، يمدون المتقاضين بخطب الدفاع، وبخاصة بعد انتشار الكتابة في القرن الخامس قبل الميلاد، وكان السفسطائي -المحضر للخطابة أو صانعا لخطب كما كانوا يسمونه- قويًا في القانون وفي البلاغة والتحرير، فيكتب الخطبة للمتقاضين وهم يحفظونها عن ظهر قلب، ليفرغوها من أدمغتهم أمام القضاء".

ولهذا قل المرتجلون في اليونان، وقل فيهم من يجسر على الخطابة قبل التروية والتملي في موضوعه، لأنه يخشى نقد السامعين لخطبته.

ومما يدل على شيوع الإعداد فيهم أن كثيرًا من خطبهم وصلت

إلينا مكتوبة في وقت لم يكن الاختزال فيه معروفًا كما هو الآن، فلا تظن أن بعض الكتاب كانوا يكتبون اختزالًا والخطيب يلقي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت