فهرس الكتاب
وكان الارتجال في الحياة العربية الجاهلية أكثر شيوعًا من الإعداد أو أكثر من ارتجال العصور اللاحقة، وقد مر بنا أن الجاحظ يثبت للهند بلاغة، وللفرس بلاغة، ولغيرهم من الأعاجم بلاغة"وعنده أن البلاغة هي الخطابة، أو أن الخطابة في الأقل أكبر مظهر من مظاهرها15"ويثبت الفضل للعرب في الارتجال وقلة المعاناة، وينسب إلى غيرهم التحضير والإعداد، ولكنا نخالفه في أن يشمل هذا الحكم الحياة الإسلامية، فإن الإعداد فيها كان أكثر شيوعًا من الارتجال، فمثلًا في حديث السقيفة أن أبا بكر ( قال: إنه- في طريقه من بيت الرسول ( إلى سقيفة بني ساعدة- كان يُزوّر( يعد) كلامًا ليقوله في الجمع.
وقد حدث عمر بن الخطاب الناس عن السقيفة فيما بعد، وجاء في حديثه أنه كان زوّر (أعدّ) مقالة قد أعجبته يريد أن يقولها قبل أبي بكر16.
وفي البيان والتبيين للجاحظ ما نفهم منه أن بعضهم كان يعد خطبة في أوراق، فمثلًا يقول أبو مسمار العكلي:
لله درُّ عامرٍ إذا نطَق
ليس كقوم يُعرَفون بالسَّرَق
يُلفّقون القول تلفيق الخِرَق
في حفل إملاك وفي تلك الحلق
من خُطب الناس ومما في الورق
من كلّ نضَّاح الذَّفارى بالعَرَق
إذا رمته الخُطباء بالحدق
ويورد أبياتًا لبشار في مدح واصل بن عطاء-وذلك قبل أن يدين بشار بالرجعة ويكفر جميع الأمة- ونستنتج أن واصلًا كان يرتجل:
تكلفوا القول والأقوام قد حَفَلوا
فقام مرتجلًا تغلي بداهته
وجانبَ الراء لم يشعر بها أحد
وحبَّروا خطبًا ناهيك من خطب
كمرجل القَيْنِ لما حُفَّ باللهب
قبل التصفُّح والإغراق في الطلب
وقال أيضًا:
فهذا بديههٌ لها كتحبير قائل
ج
إذا ما أراد القول زوَّره شهرًا17
وكان البعيث الشاعر من أخطب الناس، وهو الذي يقول:"إني والله ما أرسل الكلام قضيبًا خشبيًا، وما أريد أن أخطب يوم الحفل إلا بالبائت المحكَّك".