فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 176

وأرادوا عبد الله بن وهب الراسي على الكلام يوم عقدت له الخوارج الرئاسة فقال:"وما أنا والرأي الفطير والكلام القضيب؟".

وقيل لابن التوأم الرَّفاشي: تكلمْ. فقال ما أشهى الخبز إلا بائتًا18.

فالعرب يرتجلون ويُعدون، ولكنهم أكثر ارتجالًا من غيرهم، لأنهم بطبائعهم وظروفهم أميل إلى الارتجال من الإعداد.

وزعيم المرتجلين في الشرق سعد زغلول. فقد كان يخطب

الساعات في الأيام المتوالية في الوفود التي تهرع إليه من شتى أنحاء القطر، ويخطب مرات في كل يوم، ولاسيما حين حورب الوفد المصري، وأغلقت صحفه، واستمر سعد على ذلك أشهرًا، وكلما طال بالارتجال عهده أبدع وأجاد، على أن ارتجاله إنما كان في التعبير لا في التفكير، لأن الموضوعات التي تعالجها خطبه مفهومة له معلومة قد درسها ومحصها وأحاط بها، لأنها سياسية وهو محور السياسة وزعيم الشعب.

والإعداد- في الشعر وفي الكتابة- سمة للإنتاج البليغ في كثير من الأحيان، والناس لا يسألون عن هذا الإنتاج في كم يوم تم، وإنما يُعجبون به ويمتدحون صاحبه، وما من أحد يسأل اليوم: كم ساعة أو يومًا كان يقتضيها المتنبي وشوقي في نظم القصيدة، أو علي بن أبي طالب والحجاج في تنسيق الخطبة، أو الجاحظ والمنفلوطي في تحبير المقالة، فرب بيت منقح خير من ألف، ورب سطر مجيد خير من

كتاب.

قال بعض الشعراء لرجل: أنا أقول في كل ساعة قصيدة، وأنت تقرضها في كل شهر، فلِم ذلك؟ قال: لأني لا أقبل من شيطاني مثل الذي تقبله من شيطانك19.

وروى أن الشاعر أبر خس جاء يومًا إلى هوميروس يفاخره بكثرة شعره وسرعة عمله، ويعيِّره قِلةَ شعره وبطأه، فقال هوميروس: بلغني أن خنزيرة بأنطاكية عيرت لبؤة بطول زمن الحمل وقلة الولد، وفاخرتها بالكثرة، فقالت لها اللبؤة: لقد صدقتِ، إني ألد الولد بعد الولد ولكنه أسد.

واشتهر كثير من أدباء العرب بالتنقيح، وافتخروا به، فقصائد زهير تسمى الحوليات، والخطيئة يقول خير الشعر الحوليُّ المحكَّك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت