فهرس الكتاب
"ومن شعراء العرب من كان يدع القصيدة تمكث عنده حولًا كاملًا وزمنًا طويلًا، يردد فيها نظره، ويقلب فيها رأيه...20"واستحسنوا أن تنقح الخطبة التي تنشد في يوم الحفل21، لأن تجويد التصوير يستدعي تجويد التفكير كما يرى (فلوبير) الكاتب الفرنسي المفتنُّ، فقد كان لا يكرر صوتًا في كلمة، ولا يعيد كلمة في صفحة، وكان يتلو ما كتب بصوت إيقاعي ليؤلف بين الحروف والكلمات، ويوفق بين السكنات والحركات.
وإذا كان الارتجال ضروريًا في بعض الخطب كما قلنا، فإن
الإعداد ضروري في بعضها الآخر، على تفاوت في طريقته والحاجة إليه. فالخطب السياسية لا مندوحة من إعدادها، وأي خطيب سياسي لا يعد خطبته إيجادًا وتنسيقًا فالإخفاق نصيبه، على أن بعض الخطب السياسية يعوزها الإعداد إيجادًا وتنسيقًا وتعبيرًا، لحاجتها إلى دقة التعبير ووزن الألفاظ، كخطب المعاهدات وبعض خطب المؤتمرات الدولية، فهذه تعد إعداد كاملًا.
الجمع بينهما:
من الخير إذًا أن يجمع الخطيب بين الإعداد والارتجال، فيعد موضوعه. ثم لا يتقيد بما أعد، بل يتصرف كما تملى عليه الظروف، وحينئذ تمده ذاكرته بما قد أعده، وتسعفه بديهته بالجديد الذي لم يعده.
قال عبد الله بن المعتز:
والقول بعد الفكر يؤمن زَيْغُهُ
ج
شَتَّانَ بين روِيَّةٍ وبديهِ
وقال ابن الرومي:
نار الرَّوية نارٌ جدُّ مُنْضجِة
وقد يُفضَّلها قومٌ لسرعتها
ج
وللبديهة نار ذاتُ تلويح
لكنها سرعة تمضي مع الريح22
طرق الإعداد:
للخطباء في إعداد خطبهم طرق شتى ملائمة لميلهم واستعدادهم وتجاربهم، فمنهم من يكتبها وينقحها كأنها مقال أو بحث ثم يستظهرها، ومنهم من ينطق بالعبارات كأنه يملى، ثم يقيد بعد ذلك، ومنهم من يستعد في تفكير صامت كأنه يسمع صوتًا من باطنه، ومنهم من يعد جالسًا، ومن يعد واقفًا أو متمشيًا إلخ. وخير للخطيب الذي أعد خطبته كتابة أو نطقًا أن يخط ما تجود به قريحته، ثم يتأنق في تهذيبها وهو يُبيِّضها.