فهرس الكتاب
وربما لا يحتاج الخطيب إلى كتابة خطبته بعد التفكير فيها وتنسيقها، بل يكتفي بتقييد عناصرها إن كان من ذوي البديهة الحاضرة والمرانة.
وخير طريقة للإعداد أن الخطيب يعد خطبته- إن كانت مما يحتاج إلى إعداد- إعدادًا كاملًا ثم يتركها ويرتجل، أو يضعها أمامه مكتوبة، ويكتفي باللمح الخاطف بحيث يستوعب الصفحة في نظرة دون أن يشعر الجمهور بأنه يلمح، لأنه الموضوع ما دام واضحًا في ذهنه ومدروسًا، فإنه ينبع من عقله الباطن دون عناء، ولكنه في طريقة اللمح هذه يكون أكثر وضوحًا وأسرع نبعًا وفيضًا.
الخطابة في تصوّر الأمم
تتأثر الأمم بهبات أفرادها، وطبيعة بلادها، ونظمها الاجتماعية والسياسية والدينية والاقتصادية، وحال لغتها، وصلتها بغيرها من جيرانها إلخ، فتسلك في حياتها مسالك ربما تنفرد بها، أو تنحو مناحي تمتاز بها وتنطبع بطابعها، ولذا قد تختلف في تصور شيء واحد، كما اختلفت مثلًا في تصورها للخطابة.
اليونان
كانت بلاد اليونان جمهوريات صغيرة، يكاد بعضها ينعزل عن بعض، لوعورة الأرض، وصعوبة الاتصال، واليونان ذوو عواطف جياشة، ومشاعر حساسة، وخواطر مسعفة، وميل على الافتنان في بلاغة الكلام، وإلى النظر العام، والتفكير المرتب، ينظر اليوناني إلى الموضوع نظرته إلى كلي، فيتناوله بالبحث والتحليل العقلي المنطقي الذي يربط الأسباب بالمسببات والعلل بالمعلولات، فهو إذًا يتفلسف.
ولهذا كثر فيهم خطباء الفطرة، قبل أن يشرق العلم والفلسفة من أثينا. فلما شعت أنوار العلم والفلسفة، وازدانت أثينا وغيرها بالعلماء والفلاسفة والشعراء والفنانين، وقويت الديمقراطية في جميع المدن، وتنافس الأفراد، وتطاحنت الأحزاب، وكثر النزاع والتقاضي أمام المحاكم الشعبية، شاع الجدل السياسي والقضائي، فاشتدت الحاجة إلى تعلم الخطابة، واحتكر تعليمها وتعليم البيان جماعة من الفلاسفة هم
السفسطائيون في النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد.