فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 176

وكانوا في أول أمرهم يزدرون الأدب والموسيقى والفنون الجميلة، وكان كاتو زعيم المقاومين لانتشار الأدب الإغريقي، والداعين إلى المحافظة على القديم، فلما مات سنة 148 ق.م وتم استيلا الرومان على بلاد الإغريق سنة 146 ق.م امتلأت رومة بالمثقفين من اليونان، فوضعوا حجر الأساس لفنهم الخطابي البلاغي، وجذبت الخطابة ذوي السراوة منهم، فأقبل عليها شبابهم طموحًا إلى الصيت البعيد، واستعدادًا للدفاع، وانحصرت التربية العالية في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد في (الخطابة) ، حتى قال شيشرون المتوفى 43 ق.م"لم يهتم الطلبة في القرن الأخير في حكم الجمهورية (انتهت 27 ق.م) بدراسة شيء كما اهتموا بتعلم كل ما يعدهم للفصاحة والخطابة".

فمن الطبيعي إذًا أن يتصور الرومان الخطابة كما تصورها أساتذتهم في جملتها:

1-معان معدة، وأفكار مدروسة.

2-تنسيق المعاني، ووصل بعضها ببعض.

3-صياغتها في أساليب ملائمة للسامعين.

ولكن الخطيب اليوناني كان يجنح إلى القضايا الفلسفية، ويعتمد

عليها في الأدلة وترتيبها متأثرًا بدراسته للفلسفة، أما الروماني فكان يصطنع في خطابته التفصيل والاستنباط والقياس متأثرًا بثقافته القانونية.

العرب

عاش العرب في الجاهلية أحرارًا، أباة للضيم لُسنًا فصاحًا، يتفاخرون بإجادة القول، كما يتفاخرون بالشجاعة والكرم، وأسعفتهم بديهة حاضرة، ولغة رنانة غنية، واشتعلت بينهم حروب ومنازعات فازدهرت الخطابة عندهم.

لكنهم في الغالب لم يتصوروا الموضوع وحدة ذات معان مرتبة كما تصور اليونان والرومان، وإنما كانت لهم لفتات ونظرات إلى ما يهمهم من الموضوع، فلا يستقصون ولا يرتبون الأفكار، ولعل سبب ذلك شيوع الارتجال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت