فهرس الكتاب
ولست أوافق الجاحظ على دعواه أن العرب هم الخطباء في قوله:"وجملة القول أنَّا لا نعرف الخطبَ إلاّ للعرب والفُرْس، فأما الهندُ فإنما لهم معانٍ مدونة، وكتُبٌ مخلّدة، لا تضاف إلى رجلٍ معروف، ولا إلى عالم موصوف، وإنّما هي كتبٌ متوارثة، وآدابٌ على وجه الدَّهر سائرةٌ مذكورة، ولليونانيِّين فلسفةٌ وصناعةُ منطق، وكان صاحبُ المنطقِ نفسُه بكيَّ اللسان، غيرَ موصوفٍ بالبيان، مع علمه بتمييز الكلام وتفصيله ومعانيه، وبخصائصه، وهم يزعمون أنّ جالينوس كان أنطَقَ الناس، ولم يذكروه بالخطابة، ولا بهذا الجنس من البلاغة، وفي الفُرس خُطباء، إلاّ أنّ كلَّ كلامٍ للفُرس، وكلَّ معنىً للعجم، فإنّما هو عن طُولِ فكرة وعن اجتهاد رأي، وطُول خلوة، وعن مشاورة ومعاونة، وعن طُول التفكُّر ودِراسة الكتُب."
لا أوافق الجاحظ، لأن العرب من أخطب الأمم حقيقة، ومن أحسنها بيانًا، وأحضرها بديهة، ولكن الجاحظ غمط الأمم الأخرى حقها، مدفوعًا بالعصبية للعرب حين كان الشعوبية يجحدون فضل العرب، ويحاولون أن يقوضوا مجدهم.
وقد مر بنا في الخطابة عند اليونان والرومان ما يشعر بقيمتها، وشرفها، وتأثيرها، والعناية بها، وبراعتهم فيها.
أما إذا نظرنا إلى الارتجال والإعداد وجدنا العرب أكثر الأمم ارتجالًا واقلها إعدادًا، لأن الخطيب اليوناني ما كان ليتصدى للخطابة قبل أن يُعد وينسق، مخافة النقد، وكذلك كان الخطيب الروماني، فقد كان شيشرون ينقح خطبه، ويتدرب على إلقائها قبل أن يخطب، ومازال هذا دأبه إلى سن الستين.