فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 176

على أن الإسلام قد نقل العرب نقلًا جديدًا، فنمى الخطابة وقواها، إذ كانت من وسائله في الدعوة، ثم كانت من أسلحة الأحزاب السياسية التي نشأت بعد ذلك، وهي ضرورية في كل جمعة وعيد، ثم إنهم تأثروا بالقرآن الكريم والحديث الشريف والثقافة الإسلامية والعربية والدخيلة، فتعددت مجال القول، وتنوعت الخطابة، واتسقت المعاني، وتسلسلت، وصارت الخطبة ذات طابع لا تكاد تحيد عنه، كأن تبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم يأتي الموضوع ثم الختام.

ولكن أثر اليونان كان فيهم ضعيفًا من هذه الناحية ونواحي الأدب كله، لأنهم عكفوا على ترجمة علوم اليونان ولم يترجموا أدبهم، وإذا كان إسحاق بن حنين قد ترجم كتاب الخطابة لأرسطو فإن أثره كان ضعيفًا في الخطباء، لأنه لم يشِع بينهم، ولأن الفطرة غلبت عليهم، ولأن الخطابة لم تكن تعلم كما كانت تُعلَّم عند اليونان والرومان24وحتى المؤدبون كانوا يعلمون الشعر والكتابة، ولا يعلمون الخطابة، ثم إن نظرة أرسطو إلى الخطابة نظرة متفلسفة، والعرب لم يميلوا إلى فلسفة أدبهم.

على أن العرب لم تكن لهم خطابة قضائية لأنهم كانوا يعتمدون في تقاضيهم على البينة واليمين، فلم يكن هناك مجال يتصاول فيه الخطباء، ولم يكن عندهم محلّفون يجدُّ الخطيب في استمالتهم وإقناعهم.

وكانت خطبهم السياسية- على كثرتها- حزبية مذهبية أكثر منها عامة, لأن نظام الحكم لم يكن برلمانيا كنظام الأمم الديمقراطية المعاصرة, أو كنظام اليونان في عهد الديمقراطية.

ونلاحظ أن الخطب الحفلية- التكريم والتأبين والوفود والإملاك- قليلة عندهم وموجزة.

على أن في تاريخ العرب قبل الإسلام وبعده كثيرًا من الخطباء المصاقع الذين أجادوا الإنسان, في الخطب السياسية والوعظية والحربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت