فهرس الكتاب
إلى الحكم فيأبون أن يجيبوا، فنزل قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} .
ولله درّه في هذا الفقه الدقيق.! فما أحسن أن يقطع دابر الفتنة يوم أن تكون خلافًا في الرأي، أو خصومة فكريّة، يمكن أن يمحّص القول فيها بالحوار الهادئ، والاحتكام المخلص إلى الثوابت المحكمة في كتاب الله تعالى وسنّة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فتتضح الحقائق، وتوضع في نطاقها الصحيح، وتنقشع الشبهات ويزول عنها كلّ التباس.
ـ وإذا كان لنا أن نتساءل بعد ذلك: أيكون اللوم على المفسدين في الأرض أن اندسّوا بين صفوف المؤمنين، فزرعوا بذور الفتنة والخصام، أم أن اللوم يقع علينا نحن أننا قصّرنا في امتثال أمر ربّنا سبحانه: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} فلم نتبيّن حقائق الأمور، ولم نتحرّ عن دخائل الأخبار، وخفايا الأقاويل، ولم نردّ أخبار الفاسقين في وجوههم، ومكّنّا للمفسدين أن يكون لهم موقع قدم بيننا وبين إخواننا، فلم نكن من الراشدين ولم تكن عاقبة أمرنا رشدًا .. ؟!
ونزّل هذا القول الذي قلناه، على جميع الفتن الواقعة بين المؤمنين، في أيّ بقعة من بقاع الأرض قديمًا وحديثًا، تجدها لا تتجاوزه شروى نقير، ولا تخرج عنه مقدار حبّة أو قطمير، ولا حاجة بنا أن نضرب الأمثال، فهي ماثلة في الأذهان، تعذّب الضمائر، وتملأ