الصفحة 116 من 207

ويلطفوا من غلوائها، ثم ينتقلوا إلى الثانية، فيستمعوا منها بالتي هي أحسن، ويوازنوا بين الفريقين، ويحكموا على حجة وشبهة الطرفين حتى يقرّبوا وجهة النظر، ويزيلوا عوامل الضرر.

وقلما اقتتلت طائفتان إلا وكل منهما تزعم أن الحق بيدها، وأنها ما ثارت إلا لتبرّر حقها، فكلتاهما كما يقولون تقرأ الخطاب من الصفحة التي تلائمها، فتكون مهمّة أولئك المصلحين أن ينظروا بكلتا العينين إلى كلتا الجهتين، غير متحيزين ولا متحرّفين.

هذا هو شأن الفتن بطبيعتها، فمن عمل على إنقاذ أصحابها منها فقد عمل على سلامة نفسه من شرّها، وما أشبهها بالحريق يشتعل في بيت من قرية، فليس لأبعد الناس بيتًا من البيت المشتعل أن يتهاون في إطفائه، وإلا طغى عليه، وامتدّ لهبه إليه، فإذا أُمر المؤمنون بإصلاح ذات البين بين الطائفتين المتقاتلتين فلمصلحتهم أُمروا، ولإنقاذ أنفسهم من الشر وُجّهوا، ولو فرض أنهم أمِنوا من الامتداد إليهم لكان في شفقة المؤمن على المؤمن ورأفته به أكبر الدواعي على صونه من الفناء وإنقاذه من الهلاك، ففي كثرة المسلمين عزّة لجميعهم ومهابة لجانبهم، وقد قيل في المثل:"إنما أكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض".

وقد روي عن الحسن أن الاقتتال هنا بمعنى الخصومة على سبيل المجاز، والقتال بقصد الدفع إلى الاحتكام إلى شرع الله تعالى وهديه، روى الطبريّ عنه أنه قال:"كانت تكون الخصومة بين الحيين، فيدعون"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت