فهرس الكتاب
المبحث الثامن
وقْفةٌ أمامَ حُجُراتِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -
دُون عظمةِ هذه الحُجُراتِ الشريفة المباركة .. وقف على مرّ القرون والأجيال العظماء والملوك، والأغنياء والكُبراء، والعلماء والحكماء، كما وقف العابِدون الأتقياء .. كلٌّ وقف متأمّلًا معتبرًا، متواضعًا خاشعًا، يتملَّى هذا الموضع المبارك من الأرض، الذي علّم الدنيا كيف تكون العظمة الحقّة، وكيف تتسامى مجرّدة عن زخرف الدنيا وزينتها، ولكنّها تملك من زينة الحقّ ما يجعلها نفحة من نفحات الخلود الزكيّة .. تمنح الحياةَ سرّ وجودِها، وروح غايتها، ومتعةَ أنسها، وتربط الدنيا بالآخرة، في اتّصال وثيق تنمحي به عوامل القطيعة والتنافر .. ويحسّ من يعيشه انجذابًا نحو الآخرة، وكأنّ الانتقال إليها رحلة سياحيّة ممتعة إلى متنزّه من متنزّهات هذه الدنيا، التي طالما تطلّعت إليها النفوس، وتمنّت لو تحظى منها بوصلٍ أو تفوز ..
إنّها تعلّم الناس سرّ العظمة الحقيقيّة، التي تتجرّد عن زينة الدنيا وسلطانها، ولكنّها تملك زينة الحقّ وسلطانه، وهيبتَه وتأثيرَه .. فلا يقف أمامها شيء، ولا تَغلبها قوّة ..
هذه الحُجُراتُ تلألأت في جنباتها أنوارُ الوحي صباح مساء، وحطّت على تربتها المباركة أجنحة جبرائيل والملائكة الكرام عليهم السلام آناء الليل وأطراف النهار، ورفرفت حولها، زائرة لساكنها مسلّمة مباركة .. واشرأبّت إليها قلوب الصفوَة من الرجال، وتعلّقت بها الأبصارُ ..