فهرس الكتاب
مصدر التلقّي، وهذه الآيات فصّلت الأدب في التلقّي، وبيّنت أن التلقّي لابدّ فيه من الأدب مع من يتلقّى عنه، ومن هنا فقد اقترن العلم في الإسلام والتعليم بالأخلاق والآداب من أول يوم.
{أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ} : أي لئلا أوكراهة وخشية أن تحبط، أي يبطل ثواب أعمالكم: لأن في رفع الصوت والجهر استخفافًا، قد يؤدي إلى الكفر المحبط إذا ضم إليه قصد الاهانة وعدم المبالاة.
فالأصل اللغويّ، والاصطلاح الشرعيّ لحبوط الأعمال هو بطلانها كلّها وذهاب أجرها، لأن أصل الحَبَط والحبوط: أن تأكل الماشية، فتكثر حتى تنتفخ لذلك بطونها، ولا يخرج عنها ما فيها، وربّما هلكت، ومنه في الحديث: (إن مما ينبت الربيع لما يقتل حبطًا أو يلمّ) [1] .
جعل العمل السيّء في إضراره بالعمل الصالح، كالداء والحَرَض لمن يصاب به أعاذنا الله من حبط الأعمال، وخيبة الآمال. إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) {وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} أنها محبطة.
{يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ} يخفضونها ويلينونها، أي يخفضون أصواتهم عنده إذا كلّموه، أو كلّموا أحدًا في حضرته، إجلالًا له وتعظيمًا لمقامه.
{عِنْدَ رَسُولِ اللهِ} مراعاة للأدب أو مخافة مخالفة النهي.
(1) ـ رواه البخاريّ في الرقاق (5947) ومسلم (1742) وابن ماجه (3985) وأحمد (10611) .