وإن سلَّمْنا - جدلًا - أنَّها ضرورة من هذا الجانب، وعلمتَ أنَّ الضرورة تُقدَّر بقدرها، فهل ستتخلَّى عنها عند قضاء حاجتك؟! الغالب، والذي عليه الناس: أنَّهم لا يتخلَّوْن عنها أبدًا، بل هم لا يطلبون الرزق أصلًا ولا السفر والتنقل، فتجدُهم لا يعملون غالبًا، بل يعيشون على ما يأتيهم من الدولة مِن مساعدات، ولا يُسافرون إلاَّ نادرًا جدًّا، لربما مرَّة في العمر كله، ويبقَوْن في بلاد الكفر، فيَنسلِخون من دِينهم شيئًا فشيئًا، حتى إنَّك لا تفرِّق بين أبنائهم وأبناء الكفَّار من حيثُ المظهر والأفكار، وربما العقائد؛ إلاَّ بصعوبة بالغة، نسأل الله السلامةَ والعافية.
فيبقى مِن أهل الضرورات مثلًا مَن هو مهدَّد بالقتْل في بلاد المسلمين، أو ما أشبه، وعلى كلِّ حال الضرورات الشرعيَّة مرجعها إلى الشرع، فيجب على المرء سؤالُ أهل العلم عمَّا إذا كانت حالتُه ضرورةً تُبيح له المحظور، أم لا.
وأخيرًا أقول لأخي السائل:
ينبغي للمسلِم المؤمِن أن يُعلِّق قلبَه بالله وحده - سبحانه وتعالى - وأن يُلقي عن قلبِه همَّ الدنيا وحبَّها، فخذْ بالأسباب المشروعة الصحيحة، وتوكَّلْ على الله فهو حسبُك، وتذكَّر قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الثابت: (( مَن تَرَك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه ) )، وتذكَّر قوله أيضًا - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( إنَّ رُوحَ القدس نَفَث في رُوعِي: أنَّ نفسًا لن تموتَ حتى تستكملَ أجَلَها، وتستوعبَ رِزقَها، فاتَّقوا الله، وأجْمِلوا في الطلب، ولا يحملنَّ أحدَكم استبطاءُ الرزق أن يطلبَه بمعصية الله، فإنَّ الله - تعالى - لا يُنال ما عنده إلاَّ بطاعته ) ).