الصفحة 7 من 9

قد يقول قائل: إنَّ الحرام يُباح للضرورة، فنقول: نعم، ولكن الضرورة تُقدَّر بقدرها، وليس لأحد أن يُقدِّر الضرورة بحسب ما يرى، أو بحسب هواه، فإنَّ الذي حظر الأمر وأباحه للضرورة هو الله - سبحانه وتعالى - الرحيم الحكيم، فيشترط لها شَرْطان:

الأول: ألاَّ تجدَ إلاَّ هي؛ أي: إنَّه لا يوجد غيرها، والثاني: أن يغلبَ على ظنِّك أنَّها تفي بالغرض، (وحبَّذا لو مثَّلْنا على هذا لتتضحَ الصورة، مثلًا لو انقطعت من الزاد في الصحراء، وأوشكت على الهلاك، ثم رأيتَ جيفة ميتة، فلا بدَّ لك أن تأكلَ منها؛ لأنَّ هذه ضرورة، لكن إن كان معك بعيرُك أو شاة وجب عليك ذبحُها، فقد وجدتَ البديل الحلال، ومثال الشرط الثاني: لو أنَّك عطشتَ ولم تجد إلاَّ كأسًا من الخمر، فإنَّه يغلب على ظنِّك أنك لو شربتَه ستعطش أكثرَ فأكثر، فهنا نقول: لا تشرب.

وهذان شرطان يختصَّان بذات البدل، ولأمر الضرورة بشكل عام شرطٌ، وهو أن تُقدَّر بقدرها؛ أي: إنك إن وجدت جيفة في الصحراء، وقد أوشكتَ على الهلاك، ولم تجد غيرَها، وغلب على ظنِّك أنَّها تفي بالغرض، فوجب عليك الأكْل منها بالقدر الذي يُقيمُ صلبَك، ويدفع عنك أمرَ الهلاك فقط، فهذا من القَدَر المدفوع بقَدَر آخرَ، ويحرُم عليك الأكْلُ منها حتى تشبعَ، وتملأ بطنَك.

وإذا نظرْنا إلى أمر الجنسية، وحال الناس معها، والذين يدَّعون أنَّها ضرورة، فنقول: إنَّ معظمهم يأخذونها للعمل؛ أي: لطلب الرزق، وآخرين يأخذونها لتسهيل التنقُّل والسفر، وفي كلا الحالتين ليست ضرورةً؛ لأنك ستجد طرقًا غيرها في طلب الرِّزق أو في السفر والتنقل حتمًا؛ {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 2 - 3] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت