وتحت هذه المصطلحات اللفظية والأسماء المختلفة اشتغل كلُّ فريق منهم بتبرير جانب من جوانب المادة أوقف فِكْرَهُ عنده، وأخذ يدور في فلسفته السوفسطائية حوله، ويجر وراء المصطلح اللفظي الرئيسي حشدًا آخر من المصطلحات اللفظية الفرعية، ليتكامل بها هيكل المذهب المصطنع، وليغوص قُرَاؤه في دوّامة المصطلحات، ويتيهوا في أقبيتها المظلمة، وسراديبها التي لا يرى السائر فيها أي بصيص من نور.
وبعد الرحلة الطويلة في ظلمات هذه المصطلحات يخرج الخارجون منها على أقسام:
1-قسم حسن الذاكرة منطمس البصيرة، يخرج وفي ذاكرته ألفاظ ومصطلحات كما هي، فهو يرددها في المجتمعات العلمية، والمؤسسات التعليمية، ترديدًا ببغاويًا كما حفظها، ويظنُّ أنّه يحمل علمًا جمًا.
2-وقسم أنهكت فكره الظلمات والمتاهات، فخرج وقد أضاع عمره، وبدد جهده، وخسر ميزانه الفكري الذي فطره الله عليه، ولم يستفد من رحلته الفلسفية شيئًا ذا قيمة حقيقية، ولم يصب فهمًا سليما مستقيمًا، لأي شيء أجهد فيه فكره خلال رحلته الفلسفية الطويلة.
أما الرّجّةُ الفكرية المزلزلة لثوابت الفكر وموازينه الفطرية في هذه الرحلة، فقد أوصلته إلى الهدف المقصود منها، وهو الكفر بكل القيم الحقيقية، من دين، وخلق، وحقائق فكرية ثابتة، ولكن في ثوب فيلسوف، أو عالم، أو حامل شهادة علمية عليا"وهذا في عصرنا عصر الفتنة بالألقاب العلمية".
3-وقسم قليل جدًا يخرج محافظًا على فطرته الفكرية، وملكاته المكتسبة النافعة، ذات الموازين الصحيحة، كاشفًا لأنواع وصور الزيف التي انطوت عليها هذه المذاهب.
لقد دخل حينما دخل وفي يده مصباح نقدي كشاف، وظل محافظًا عليه، غير متأثر بالأشباح التي تصطنعها الأوهام النفسية للسائرين في