صورية أو وسيطة، تم بموجبها تنظيم تغيرات الكون وأحداثه، لا بوصفها أسبابًا حقيقية.
لذلك كانت البديهة العقلية الفطرية تتطلب باستمرار متابعة حلقات سلسلة الأسباب المادية، حتى تنتهي إلى السبب الحقيقي الفعال، وهو لا بد أن يكون سببًا ذا إرادة وقدرة، ثم إذا كان العمل حكيمًا، فلا بد أن يكون سببًا ذا إرادة وقدرة وعلم وحكمة، وهذه من لوازم صفة الحياة.
ومتى وصل الفكر بطريقة منطقية سليمة إلى مُسبّب ذي حياةٍ وإرادة وقدرة وعلم وحكمة، وصل إلى القناعة الكافية بأن هذا المسبب يصلح لأن يكون هو المسبب الحقيقي، الذي يتوقف الفكر عنده عن متابعة السؤال عن السبب الحقيقي.
أما الحلقات السببية التي قامت بينه وبين الظاهرة التي حدثت، فهي جميعها من قبيل الوسائل أو الأسباب الصورية أو الوسطية، ولا تصلح لأن تكون هي السبب الحقيقي الذي يورث القناعة، ولا تُنهي تساؤلات الفكر، ولا تُروي ظمأه إلى معرفة السبب الحقيقي.
قد يعض الكلب الحجر الذي رآه يتجه نحوه ليصيبه، أما الإنسان المفكر فإنه يبحث عن الذي رمى الحجر نحوه بقصد، فإذا عرفه واستبان أنه قد قصد قتله أو إيذاءه حاول أن ينتقم منه دفاعًا عن نفسه، ولم يفكر بالانتقام من الحجر مطلقًا.
وهنا نقول: إن الماديين الذين يقفون عند الأسباب المادية للظواهر الكونية التي يتجلى فيها القصد، ولا يبحثون عن السبب الحقيقي، مع أن هذه الأسباب تحتاج هي أنفسها إلى أسباب تفسر ظاهراتها وتعلل حدوثها، إنما يفكرون بمثل دماغ الحيوان الذي يعض الحجر الذي قُذف عليه.