فقال إني رأيت الناس على غير صورتهم، رأيتهم مثل القردة. فقلت له لعل الشيطان سحر عينك ووسوس في قلبك وقال ألزم بيتك ولا تخرجمنه ليعتقد الناس أنك من أولياء الله فيقصدونك للزيارة والتبرك ويهدون إليك هدايا كثيرة فتأمل يا أخي بإنصاف، فقد قال رسول صلى الله عليه وسلم لسيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: {وَإِنَّ لِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا} . وقال صلى الله عليه وسلم: {مَنْ كاَنَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ} . ثم بعد أيام جاءني ذلك الشيخ في بيتي، وقال صدقت يا أخي، الآن تركت عزلتي وفعلت مثل ما يشغل الناس، فكان كذلك إلى أن توفي ذلك الشيخ رحمه الله تعالى.
ومن المعلوم أنه قد وقع الإختلاف في الفروع بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم وهم خير الأمة، فما خاصم أحد منهم أحدا ولا عادى أحد أحدا ولا نسب أحد أحدا إلى خطأ ولا قصور. وكذلك وقع الإختلاف في الفروع بين الإمام أبي حنيفة والإمام مالك رضي الله عنهما في مسائل كثيرة يبلغ عددها أربعة عشر آلاف تقريبا في أبواب العبادة والمعاملة، وبين الإمام الشافعي وأستاذه الإمام مالك رضي اللع عنهما في مسائل كثيرة يبلغ عددها ستة آلاف تقريبا. وكذلك بين الإمام أحمد بن حنبل وأستاذه الإمام الشافعي رضب الله عنهما في مسائل كثيرة كذلك، فما عادى أحد منهم أحدا ولا شنع أحد منهم أحدا ولا حقد أحد منهم أحدا ولا نسب أحد أحدا إلى خطأ ولا قصور، بل لا يزالون يتحابون ويتصافون لإخوانهم ويدعو كل واحد لهم بكل خير. وذكر أن الإمام الشافعي لما زار قبر الإمام أبي حنيفة رضي الله عنهما وأقام فيه نحو سبعة أيام يقرأ فيه القرآن العظيم وكلما ختم ختمة أهدى ثوابه إلى الإمام أبي حنيفة، وأن الإمام الشافعي لا يقنت في صلاة الصبح مدة إقامته في قبة الإمام أبي حنيفة، لا يقول يندب القنوت في صلاة الصبح فتركته تأدّبا معه. وكذلك وقع الإختلاف بين شيخي المذهب الرافعي والنووي رضي الله عنهما في مسائل كثيرة. وكذلك وقع الإختلاف بين الإمام العلامة أحمد بن حجر والإمام العلامة الرملي وأتباعهما، فما خاصم أحد منهم أحدا ولا عادى أحد منهم أحدا ولا نسب أحد أحدا إلى خطأ، بل كانوا متحابين متآخين متصافين.
إذا علمت ذلك فهمت أن ما وقع بيننا من المخاصمة والمعاداة والمقاطعة بسبب اختلاف في مسألة أو مسائل قليلة من تسويل الشيطان والمباهاة والمفاخرة بين الإخوان ومتابعة الهوى. وقد قال تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه} . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَاذِئْبَانِ