ثانيًا: مناقشة أدلة المانعين، وأدلة المجيزين:
أولًا: أدلة المانعين:
1 -قولهم: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما سعى في هذا المكان، والأصل في العبادات الاتباع، ويناقَشُ هذا بأن المسعى الحالي لا يتحقق كونه المكان الذي سعى فيه النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن المسعى في زمنه عليه الصلاة والسلام كان أوسع مما هو عليه الآن، وكان ممتدًا إلى جهة الجنوب، يمر من داخل المسجد الحرام الحالي، كما ذكر ذلك عدد من علماء الحديث والمؤرخين، ومن ذلك ما ذكره أبو الوليد الأزرقي في كتابه أخبار مكة، من قوله: «وكان المسعى في موضع المسجد الحرام» ، وما رواه ابن أبي شيبة عن مجاهد ابن جبر فيما يتعلق بالسعي بين العلمين، قال: «وهذا بطن المسيل الذي رمل فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكن الناس انتقصوا منه» ، وغير ذلك، وليس هنالك نصٌّ يدل على سعي النبي عليه الصلاة والسلام في هذا المكان، ولا على عدم جواز السعي في غيره، مما كان داخلًا في حدود الصفا والمروة، ولم يكن من هديه عليه الصلاة والسلام في المشاعر أن يُلزم الناس بالوقوف أو المرور في المكان الذي هو فيه خاصة، بل كان عليه الصلاة والسلام يقف بها ويوسع على أمته في الوقوف في غير موقفه مما كان داخلًا في حدودها كما وقف عليه الصلاة والسلام في عرفة وقال: «وَقَفْتُ هَاهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» ، كما نزل عليه الصلاة والسلام في المزدلفة ومنى في مكانه الذي نزل فيه ولم يُلزم الناس بالوقوف معه في عين المكان الذي نزل فيه، وقوله: لتأخذوا عني مناسككم، من هذا القبيل، فإنه يشمل الاقتداء بفعله عليه الصلاة والسلام في أداء مناسك الحج، ولو كان الوقوف أو السعي في المكان الذي وقف فيه بخصوصه متعينًا لبيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام ولنقل ذلك عنه؛ لأن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة.
2 -أن النصوص إنما وردت بمشروعية السعي بين الصفا والمروة فما كان خارجًا عنها فإنه ليس بينهما، والساعي خارج المسعى لا يصدق عليه أنه ساعٍ بينهما، وقد اتفق العلماء على أنه لا يصح أن يكون جميع الشوط أو غالبه خارج مكان السعي.
ويناقش هذا بأن ما ذكرتموه مسلَّم، فلا يصح السعي في ما كان خارجًا عن حدود الصفا والمروة، ولكن الصفا والمروة أوسع من هذا المكان المشاهد، فإذا سعى الساعي خارج المسعى القديم من جهة الشمال الشرقي والجنوب الشرقي فيما كان داخلًا في حدود الصفا والمروة الحقيقية فإن سعيه صحيح لأنه قد جاء بما طُلب منه.