الصفحة 4 من 31

2 -أن الاختلاف بين أهل العلم في المسائل الاجتهادية أمرٌ لا ينكرُ بدءً من الصحابة فمن بعدهم، والظن بالمختلفين أنهم لا يقصدون إلا بيان الحق إبراءً للذمة، ولكن قد تختلف الأفهام أو تخفى بعض أوجه دلالات الأدلة عن بعضهم دون البعض الآخر، كما أنه يمكن اطلاع بعضهم على دليل لم يطلع عليه غيره وهكذا، والذين قالوا بعدم جواز توسعة المسعى من أهل العلم لم يخرجوا عن هذا السنن، هدفهم المحافظة على حدود هذه الشعيرة، وعدم التساهل في شأنها، حتى لا تصبح المشاعر مجالًا للتلاعب بها وتغييرها، لا سيما وقد ارتبطت بها عبادة السعي التي هي جزءٌ من شعيرة الحج والعمرة، وترجَّح لهم أن جبل الصفا لا يصل إلى ما وصلت إليه هذه الزيادة.

والذين قالوا بجواز هذه الزيادة يشتركون معهم في وجوب المحافظة على هذه المشاعر وصيانتها، وعدم جواز تغييرها أو الزيادة عليهم، لكنهم يرون أن هذه الزيادة غير خارجة عن حدود مشعر الصفا والمروة.

ومن هنا يتحرر موطن النزاع في هذه المسألة، وهو: هل هذه الزيادة داخلة في حدود مشعر الصفا والمروة فتكون جائزة، أو خارجة عنها فلا تجوز؟ وهذا يعني أنَّ المسألة مسألة إثبات إن وجد الدليل الصحيح المثبت فإنه يجب على الجميع القبول بمقتضاه، وإن لم يوجد فلا يجوز العمل بدون دليل، ويتعيَّن حينئذٍ البقاء على الأصل.

3 -حكم السعي:

أ- السعي بين الصفا والمروة شعيرة في الحج والعمرة، قال تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158] .

وقد جاء في سبب نزول هذه الآية أن أهل الجاهلية كانوا يسعون بين الصفا والمروة لصنمين، صنمٌ على الصفا يسمى إسافًا، وآخر على المروة يسمى نائلة، فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان ترك بعض المسلمين السعي بين الصفا والمروة لظنهم أن ذلك إنما كان من أجل الصنمين الذين كانا عليهما [1] .

قال أبو طالب في قصيدته المشهورة:

وحيث يُنيخ الأشعرون ركابهم ... لمفضي السيول من إسافٍ ونائل [2]

(1) تفسير البيضاوي1/ 432.

(2) ديوان أبي طالب1/ 57.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت