الصفحة 3 من 31

خلال دورة لأحد المجامع الفقهية.

ومما لا شكَّ فيه أن هذا الموضوع من الموضوعات الاختصاصية الدقيقة التي لا يجوز أن يخوض فيها من ليس أهلًا لها، ولا ينبغي بحالٍ من الأحوال أن تترك مسرحًا لعامة الناس ليقولوا فيها بآرائهم وأمزجتهم، فالمسألة ليست من هذا القبيل، بل هي مسألة علمية لا تصلح لغير أهلها، شأنها شأن كل مسألة علمية اختصاصية، الفيصل فيها كلام أهلها العارفين بها، مثل قضايا الطب والهندسة والكيمياء والفيزياء والأمور العسكرية ونحوها، لا يقبل كلام غير الاختصاصيين الراسخين فيها.

لذا أحببت جمع كلام أهل العلم المعاصرين فيها، وعرضها ومناقشتها للتوصل إلى ترجيحٍ علميٍّ يعضده الدليل، وأقدِّم لذلك بعدد من الأمور:

1 -إنَّ كثيرًا من الذين أجازوا التوسعة وأكَّدوا مشروعيتها اعتمدوا على بعض القواعد والمسلَّمات الشرعية العامة التي تحتاج إلى بصرٍ علميٍّ دقيقٍ في تنزيلها على موضوع الخلاف، ومن أهم هذه القواعد التي اعتمدوها: قاعدة رفع الحرج، وقاعدة التيسير، ولا نزاع في كون هاتين القاعدتين من القواعد الشرعية المقررة أخذًا من قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] ، وقوله: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ} [البقرة: 185] ، وغيرها من آيات الكتاب الكريم.

وقد جاءت أحاديث عديدة تؤيد ذلك منها قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما عندما بعثهما إلى اليمن: «يَسِّرَا وَلا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلا تُنَفِّرا» [1] ، وجاء أيضًا في الحديث الصحيح الذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في بيان هديه عليه الصلاة والسلام: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بَينَ أَمرَينِ إِلَّا اختَارَ أيسَرَهُمَا مَا لَم يَكُنْ إِثْمَا» [2] .

لكنَّ إعمال هاتين القاعدتين -التيسير ورفع الحرج- يجب أن يكون مقيَّدًا بضوابط الشرع إذ ليس كلُّ حرجٍ مدفوعًا، ولا كلُّ تيسيرٍ جائزًا، وإلا لأبحنا الاقتراض بالربا تيسيرًا على المحتاجين، والزنا لمن لم يستطع على تكاليف الزواج، وهذا لم يقل به أحدٌ من أهل العلم.

(1) صحيح البخاري4/ 1587، باب بعث أبي موسى ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما إلى اليمن قبل حجة الوداع.

(2) صحيح البخاري6/ 2491.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت