الصفحة 39 من 49

وقد قدر الله تعالى إيقاع هذه الإيحاءات من الشيطان، ابتلاءً منه وامتحانًا؛ ليجعل ذلك فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم. [1]

«والمراد بالنسخ في الآية هو النسخ اللغوي، الذي هو بمعنى الإزالة والإبطال، لا النسخ الشرعي الذي هو: رفع حكم شرعي بخطاب جديد؛ لأن ما ألقاه الشيطان ليس بحكم، حتى يكون رفعه نسخًا شرعيًا؛ بل هو باطل أبطله الله وأزاله» . [2]

إذا علمت هذا فإن الآية تدل على أن الله ينسخ شيئًا ألقاه الشيطان، ليس مما يقرؤه الرسول أو النبي، وأن ما يلقيه الشيطان: هي الشكوك والوساوس المانعة من تصديق القرآن وقبوله؛ كإلقائه عليهم أنه سحر أو شعر أو أساطير الأولين، وأنه مفترى على الله وليس منزل من عنده، والدليل على هذا المعنى: أن الله بين أن الحكمة في الإلقاء المذكور امتحان الخلق؛ لأنه قال: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} [الحج:53] ، ثم قال: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} [الحج:54] ، فقوله: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ} يدل على أن الشيطان يلقي عليهم: أن الذي يقرأه النبي ليس بحق؛ فيصدقه الأشقياء، ويكون ذلك فتنة لهم، ويكذبه المؤمنون الذين أوتوا العلم، ويعلمون أنه الحق لا الكذب، كما يزعم لهم الشيطان في إلقائه، فهذا الامتحان لا يناسب شيئًا زاده الشيطان من نفسه في القراءة. [3]

«هذا هو المعنى المراد من هذه الآية الكريمة، وهي كما ترى ليس فيها إلا أن الشيطان يلقي عند تلاوة النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يفتتن به الذين في قلوبهم مرض، ولكن أعداء الدين الذين قعدوا له في كل طريق، وترصدوا له كل مرصد، لا يرضيهم إلا أن يدسوا فيه ما ليس منه، ولم يقله رسوله، فذكروا ما لا يليق بمقام النبوة والرسالة وذلك دَيْدَنهم منذ القديم، كما فعلوا في غير ما آية وردت في غيره - صلى الله عليه وسلم - من الأنبياء، كداود، وسليمان، ويوسف عليهم الصلاة والسلام، فرووا

(1) انظر: روح المعاني (17/ 225) .

(2) انظر: رحلة الحج إلى بيت الله الحرام، للشنقيطي، ص (128) .

(3) انظر: أضواء البيان (5/ 732) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت