فهرس الكتاب
الفصل السادس: الترجيح:
الحق أن هذه القصة ضعيفة بل باطلة، وكل الروايات الواردة فيها مُعَلَّةٌ؛ إما بالإرسال، أو الضعف، أو الجهالة، وليس فيها ما يصلح للاحتجاج به، لا سيّما في مثل هذا الأمر الخطير، الذي يمس مقام نبينا الكريم - صلى الله عليه وسلم -. [1]
والحق أن الآية لا يصح في سبب نزولها شيء، وغاية ما في الآية أن الشيطان ألقى شيئًا ما عند [2] قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم -، إلا أننا لا نستطيع الجزم بتحديد ذلك الشيء، ولا في أي سورة كان، ولا يَحِلُّ لنا تعيينه بناء على روايات ضعيفة لا يعتمد عليها؛ فإن ذلك من التفسير المذموم الذي حَذَّرَ منه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. [3]
والأقرب في معنى الآية: أن الله تعالى يُذَكِّرُ نبيه بأنه ما أرسل من قبله من رسول ولا نبي إلا وحاله أنه إذا قرأ شيئًا من الآيات - على المعنى الذي أراد الله تعالى - ألقى الشيطان في قلوب أوليائه وأتباعه معنىً غير المعنى الذي أراد الله تعالى، من الشُّبَه والوساوس والمعاني الباطلة، فينسخ الله تلك الشُّبَه التي ألقاها الشيطان، بمعنى أنه يبطلها ويذهبها، ثم يحكم آياته فلا يبقى إلا الحق الذي أراده سبحانه، وهذا الإلقاء إنما هو من الشيطان، وهو على صورة إيحاء، وهو كائن في قلوب الذين كفروا، وليس هو إلقاء من الشيطان في قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ بصوت مسموع، فهو لا يستطيع ذلك.
(1) انظر: نصب المجانيق، ص (35) .
(2) نقل القرطبي في تفسيره (12/ 56) ، عن سليمان بن حرب: أن «في» في قوله: {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} بمعنى عند؛ أي ألقى الشيطان في قلوب الكفار عند تلاوة النبي - صلى الله عليه وسلم -، كقوله عز وجل: {وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} [الشعراء:18] ، أي عندنا.
(3) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّا مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» .
أخرجه الترمذي في سننه، في كتاب التفسير، حديث (2950) ، وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ» .