فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 2 من 20

قال الله تعالى: { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ الأعراف:189- 190] .

المبحث الثاني: ذكر الحديث الوارد في تفسير الآية:

عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ - رضي الله عنه - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ، طَافَ بِهَا إِبْلِيسُ، وَكَانَ لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ، فَقَالَ: سَمِّيهِ عَبْدَ الْحَارِثِ [1] ؛ فَإِنَّهُ يَعِيشُ؛ فَسَمَّوْهُ عَبْدَ الْحَارِثِ، فَعَاشَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ وَحْيِ الشَّيْطَانِ وَأَمْرِهِ". [2]

(1) الحارث هو اسم إبليس . انظر: المحرر الوجيز (2/486) .

(2) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (5/11) ، حديث (20129) ، وابن جرير في تفسيره (6/144) ، والترمذي في سننه ، في كتاب التفسير ، حديث (3077 ) ، والحاكم في المستدرك (2/594) ، والروياني في مسنده (2/52) ، جميعهم من طريق: عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن عمر بن إبراهيم ، عن قتادة ، عن الحسن البصري ، عن سمرة ، به. مرفوعًا.

وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (5/1631) عن أبي زرعة الرازي ، عن هلال بن الفياض ، عن عمر بن إبراهيم ، به . مرفوعًا .

وأخرجه ابن مردويه [ كما في تفسير الحافظ ابن كثير (2/286) ] ، والطبراني في الكبير (7/215) ، وابن عدي في الكامل (5/43) جميعهم من طريق شاذ بن فياض ، عن عمر بن إبراهيم ، عن قتادة ، به . مرفوعًا.

قال الحافظ ابن كثير ، في تفسيره (2/286) :"وشاذ هو هلال ، وشاذ لقبه".

والحديث صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي ، وقال الترمذي:"حسن غريب ،لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عمر بن إبراهيم ، عن قتادة . ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه . عمر بن إبراهيم شيخ بصري".أهـ

قلت: الحديث لا يصح مرفوعًا، وهو معلول من أوجه ، وهاك تفصيلها:

العلة الأولى: أنه من رواية"عمر بن إبراهيم"وهو: العبدي أبو حفص البصري ، صاحب الهروي ، وهو ضعيف في روايته عن قتادة .

قال الإمام أحمد: يروي عن قتادة أحاديث مناكير يخالف. وقال ابن عدي: يَروي عن قتادة أشياء لا يُوافق عليها ، وحديثه خاصةً عن قتادة مضطرب. وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال: يخطئ ويخالف ، وذكره في الضعفاء فقال: كان ممن يتفرد عن قتادة بما لا يشبه حديثه؛ فلا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد ، فأما فيما روى عن الثقات فإن اعتبر به معتبر لم أرَ بذلك بأسًا . انظر: تهذيب التهذيب (7/373) .

وقد تُوبِع عمرُ بنُ إبراهيم في روايته عن قتادة من طريقين ، غير أنهما لا يصح اعتبارهما:

الطريق الأول: أخرجه ابن مردويه [ كما في تفسير الحافظ ابن كثير (2/286) ] من حديث المعتمر ، عن أبيه ، عن الحسن ، عن سمرة ، به . مرفوعًا.

والمعتمر هو: ابن سليمان بن طرخان . والإسناد رجاله ثقات ؛ إلا أني لم أقف على الرواة بين ابن مردويه ، والمعتمر .

الطريق الثاني: أخرجه ابن عدي في الكامل (3/298) من طريق سليمان الشاذكوني ، عن غندر ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة ، به . مرفوعًا .

قال ابن عدي:"وهذا من حديث شعبة، عن قتادة منكر، لا أعرفه إلا من حديث الشاذكوني، عن غندر، عنه، وإنما يروي هذا عن قتادة: عمر بن إبراهيم".أهـ

والشاذكوني هو: سليمان بن داود المنقري - نسبة إلى منقر بن عبيد بن قيس بن غيلان - البصري، قال البخاري: فيه نظر. وكذبه ابن معين في حديث ذُكر له عنه، وقال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة ، وقد ساق له ابن عدى أحاديث خُولف فيها ثم قال: وللشاذكونى حديث كثير مستقيم، وهو من الحفاظ المعدودين، وما أشبه أمره بما قال عبدان: ذهبت كتبه فكان يحدث حفظًا فيغلظ. انظر: لسان الميزان (3/84-85) .

العلة الثانية: أن الحديث قد رُوي من قول سمرة - رضي الله عنه - موقوفًا عليه.

أخرجه ابن جرير في تفسيره (6/144) قال: حدثني محمد بن عبد الأعلى ، قال: حدثنا معتمر ، عن أبيه قال: حدثنا أبو العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير ، عن سمرة - رضي الله عنه - ، أنه حدث: أن آدم عليه السلام سمى ابنه عبد الحارث .

وأخرجه عن محمد بن عبد الأعلى ، قال: حدثنا المعتمر ، عن أبيه قال: حدثنا ابن علية ، عن سليمان التيمي ، عن أبي العلاء ، عن سمرة - رضي الله عنه - قال: سمى آدم ابنه عبد الحارث .

وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (4/83) قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة ، ثنا أبو الجماهر، ثنا سعيد بن بشير، حدثني عمران ، عن عقبة ، عن قتادة ، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير ، عن سمرة - رضي الله عنه - قال: سمياه عبد الحارث ، في قوله: { فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } .

والأثر صحيح من رواية ابن جرير .

العلة الثالثة: أن في سماع الحسن من سمرة خلاف مشهور بين علماء الحديث ، ثم هو مدلس ولم يصرح في هذا الحديث بسماعه من سمرة ، قال الذهبي في ميزان الاعتدال (2/281) :"كان الحسن كثير التدليس ؛ فإذا قال في حديث ( عن فلان ) ضَعُف احتجاجه".أهـ

العلة الرابعة: أن الحديث قد روي عن أُبيِّ بن كعب - رضي الله عنه - من قوله ، وهذا يدل على أن أصله من الإسرائيليات المتلقفة عن مسلمة أهل الكتاب .

أخرج أثرَ أُبيٍّ: ابنُُُُ أبي حاتم في تفسيره (5/1633) قال: حدثنا أبى، ثنا أبو الجماهر، أنبا سعيد بن بشير، عن عقبة، عن قتادة، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال:"لما حملت حواء أتاها الشيطان فقال: أتطيعيني ويسلم لك ولدك؟ سميه عبد الحارث، فلم تفعل، فولدت فمات، ثم حملت فقال لها مثل ذلك فلم تفعل، ثم حملت الثالث فجاءها فقال: إن تطيعيني يسلم وإلا فإنه يكون بهيمة، فهيبهما فأطاعاه".

والأثر في إسناده:"سعيد بن بشير الأزدي ، أبو عبد الرحمن"وهو ضعيف ، كما في التقريب (1/284) .

العلة الخامسة: أن الحسن نفسه فسَّر الآية بغير هذا ، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعًا لما عدل عنه ، وقد فسر قوله تعالى: { جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا } فقال: كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بآدم . وعنه قال: عني بها ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده . وعنه قال: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصّروا .

ذكر ذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره (2/286) من طرق عنه ، ثم قال:"وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن - رضي الله عنه - أنه فسر الآية بذلك ، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حُمِلتْ عليه الآية ، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما عدل عنه هو ولا غيره، ولا سيما مع تقواه لله وورعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم، مثل كعب أو وهب بن منبه، وغيرهما".أهـ

النتيجة: أن الحديث لا يصح رفعه للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد ضعفه الحافظ ابن كثير في تفسيره (2/286) ، والألباني في"سلسلة الأحاديث الضعيفة" (1/516) ، حديث (342) . وقد ذكرا بعضًا من العلل التي أوردتها ، فانظرها في كتابيهما المذكورين آنفًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت