المبحث الثالث: ذكر مذاهب العلماء في تفسير الآية والحديث:
اتفق المفسرون على تنزيه مقام آدم - عليه السلام - من الشرك ، وأن ذلك لم يقع منه ، ولا من الأنبياء قط ، وقد عدّوا هذه الآية - والحديث الوارد في تفسيرها - من مشكلات التفسير، ولهم في تأويلهما أقوال خلاصتها راجعة إلى مذهبين:
الأول: مذهب قبول الحديث ، وإجراء الآية على ظاهرها في قصة آدم وحواء:
وهذا رأي الجمهور من المفسرين [1] ، حيث ذهبوا إلى أن الآية معنيٌ بها آدم وحواء - عليهما السلام - حيث سميا ابنهما عبد الحارث .
رُوي ذلك عن: أبي بن كعب [2] ، وسمرة بن جندب [3] ، وابن عباس [4]
(1) نسبه للجمهور ابن الجوزي في"زاد المسير" (3/231) .
(2) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (5/1633) ، وإسناده ضعيف .
(3) أخرجه ابن جرير في تفسيره (6/144) ، والطبراني في مسند الشاميين (4/83) ، وإسناده صحيح .
(4) أخرجه ابن جرير في تفسيره (6/144-145) ، من ثلاثة طرق:
الأول: قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن داود بن الحصين، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"كانت حواء تلد لآدم فتعبدهم لله وتسميه عبد الله وعبيد الله ونحو ذلك ، فيصيبهم الموت ، فأتاها إبليسُ وآدمَ فقال: إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه لعاش، فولدت له رجلًا فسماه"عبد الحارث"ففيه أنزل الله تبارك وتعالى: { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } ".
وهذا الطريق: ضعيف ، فيه:"محمد بن حميد الرازي"ضعيف ، التقريب (2/165) ، وفيه"محمد بن إسحاق"مدلس ، التقريب (2/153) ، وفيه"داود بن الحصين"ثقة إلا في عكرمة فإن له عنه مناكير ، التقريب (1/227) .
الطريق الثاني: قال ابن جرير: حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي ، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، .... فذكره بنحوه .
وهذا الطريق: ضعيف جدًا ؛ فإنه مسلسل بالعوفيين ، وهي سلسلة واهية باتفاق النقاد من المحدثين .
الطريق الثالث: قال ابن جرير: حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثنا حجاج ، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما ، .... فذكره بنحوه .
وهذا الطريق: ضعيف أيضًا ، فيه:"الحسين بن داود"وهو سنيد ، ضعيف ، التقريب (1/323) ، وفيه"ابن جريج"ثقة إلا أنه يدلس ويرسل ، وقد أرسله عن ابن عباس ، التقريب (1/482) .
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (5/1634) ، وسعيد بن منصور في سننه (5/173) ، كلاهما من طريق خصيف، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، به.
وخصيف: هو ابن عبد الرحمن الجزري ، صدوق سيئ الحفظ . التقريب (1/220) .
النتيجة: أن الأثر حسن بمجموع طرقه ، والله تعالى أعلم .