قال الحافظ ابن كثير - بعد أن أورد أثر ابن عباس رضي الله عنهما في الآية:"وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس جماعة من أصحابه ، كمجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، ومن الطبقة الثانية: قتادة ، والسدي ، وغير واحد من السلف، وجماعة من الخلف ، ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة ، وكأنه - والله أعلم - أصله مأخوذ من أهل الكتاب ؛ فإن ابن عباس رواه عن أبي بن كعب ....، وهذه الآثار يظهر عليها - والله أعلم - أنها من آثار أهل الكتاب".أهـ [1]
الإيرادات والاعتراضات على هذا الاختيار وأدلته:
اعترض على هذا الاختيار بأن ابن جرير الطبري حكى الإجماع على أن الآية معني بها آدم وحواء - عليهما السلام - وعليه فلا يجوز القول بأن الآية معني بها المشركون ؛ لأن في هذا مخالفة للإجماع .
والجواب:
أن لابن جرير رأي آخر في معنى الإجماع ، فهو يرى أن الإجماع ينعقد بقول الأكثرين ، ولا يعتد بمخالفة الواحد والاثنين ، ويعده شذوذًا . [2]
وأما الجمهور من العلماء فإن الإجماع لا ينعقد عندهم إذا كان في المسألة قولٌ آخرَ ، ولو كان القائل به واحدًا . [3]
وبهذا تعرف أن ما يحكيه ابن جرير من الإجماع إنما يعني به قول الجمهور في الغالب ، وعليه فلا يصح دعوى الإجماع في تأويل هذه الآية ، والله تعالى أعلم .
(1) تفسير ابن كثير (2/286) .
(2) نقل هذا المذهب عن ابن جرير: أبو إسحاق الشيرازي في"اللمع" (2/704) ، وإمام الحرمين في"البرهان" (1/721) ، وأبو يعلى في"العدة" (4/1119) ، وابن قدامة في"روضة الناظر" (2/473) .
وقد وافق ابنَ جريرٍ في ذلك: أبو بكر الرازي ، الجصاص . انظر كتابه: الفصول في الأصول (3/299) .
(3) انظر مذهب الجمهور في: شرح اللمع (2/704) ، وكشف الأسرار (3/245) ، والإحكام للآمدي (1/235) ، والتمهيد ، لأبي الخطاب (3/260-261) .