وهذان الحكمان المبعوثان يكونان من أهل الرجل ، وأهل المرأة لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال ، فيطلعان على ما لا يطلع عليه غيرهم ، وهما أطلب للصلاح ، ونفوس الزوجين أسكن إليهم فيبرزان ما في ضمائرهما من الحب والبغض ، وإرادة الصحبة والفرقة (1) ، ولأجل هذه المعاني المختصة بالأهل دون غيرهم ، ذهب بعض أهل العلم بأن الحكمين لا يكونان إلا من أهل الرجل والمرأة ، بل نقل العلامة الفقيه ابن رشد الإجماع على ذلك فقال:"وأجمعوا على أن الحكمين لا يكونان إلا من أهل الزوجين أحدهما من قبل الزوج ، والآخر من قبل المرأة ، إلا أن لا يوجد في أهلهما من يصلح لذلك فيرسل من غيرهما (2) 0"
ويرى أكثر العلماء أن ذلك مستحب غير مستحق ،بل نقل الإمام الشربيني الإجماع على ذلك من كتاب نهاية المطلب ودراية المذهب لإمام الحرمين الجويني 0وذلك لأن القرابة لا تشترط في الحاكم ، ولا في الوكيل ، فكان الأمر بذلك إرشادا واستحبابا ،كما قال الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي 0 (3)
وظاهر النص القرآني يؤيد وجوب أن يكون الحكمان من أهل الزوج وأهل الزوجة ، وذلك لقربهما من الزوجين واطلاعهما على ما يخفى من أمرهما، وحرصهما على إرادة الصلاح لهما ، بالإضافة إلى أن نفس الزوج والزوجة تكون أطيب معهما ، فيبديان ما في قلوبهما من غير حرج فان فقد الأهل ،أو وجدوا ولم يكونا صالحين للحكومة ، جاز اختيارهما من غير الأهل للضرورة والحاجة إلى ذلك ، ولئلا يتعطل هذا الحكم الشرعي 0
(1) ينظر تفسير البيضاوي 2/186 ، تفسير أبي السعود 2/175 ، تفسير النسفي 1/211 0
(2) بداية المجتهد ،ابن رشد 2/74 ، وينظر: المنتقى ، أبو الوليد الباجي 4/114 ، وتفسير القرطبي 5/175 ،فتح القدير 1/463 0
(3) مغني المحتاج ، الشر بيني 3/ 216 ، المغني ، ابن قدامة 7/244 وينظر: المهذب ، أبو إسحاق الشيرازي 2/70، الوسيط 5/308 ، المبدع 7/216 ، مسالك الإفهام ، الشهيد الثاني 8/366 ،