فهرس الكتاب
إن استخدام جهاز الهاتف في أغراض الانتهاك العرضي أمر واقع في الحياة العربية المعاصرة، حتى إن القانون الوضعي في بعض الدول العربية - لكثرة الحوادث - أدخل سوء استخدامه ضمن حدِّ القذف العلني الذي يُؤاخذ به فاعله، ولئن كانت الشريعة أو القانون الوضعي يحمي عرض الفتاة من الانتهاك بالعقوبات الرادعة: فمن ذا الذي يحمي مشاعر الفتاة من الاختلال، وعواطفها من الإثارة؟ إن المعضلة لا تكمن فيما يصدر عن المجرم إلى مسامع الفتاة من عبارات الفحش والخنا، وإنما المشكلة الكبرى تكمن في الاختلال الشخصي، والاضطراب السلوكي الذي يمكن أن تخلفه مثل هذه المكالمات الهاتفية المثيرة على مشاعر الفتاة وعواطفها؛ فإن باب السماع عند الأنثى: أوسع، وأعظم أبواب الإثارة الجنسية في طبيعتها؛ إذ للكلمة المسموعة أثرها الفسيولوجي الخاص على نشاط الفتاة الانفعالي، الذي قد يصل بها أحيانًا إلى حدِّ النشوة الجنسية، إن هي اسْترسلت فمكَّنت الفاجر من أذنها؛ يقول أبو عثمان الجاحظ عن هذه الطبيعة الأنثوية الخطيرة:"ولو أن أقبح الناس وجهًا، وأنتنهم ريحًا، وأظهرهم فقرًا، وأسْقطَهم نفسًا، وأوضعَهم حَسَبًا، قال لامرأة قد تمكَّن من كلامها، ومكَّنته من سَمْعها: والله يا مولاتي وسيدتي، لقد أسهرت ليلي، وأرَّقْت عيني، وشغلْتني عن مُهمِّ أمري، فما أعقل أهلًا، ولا مالًا، ولا ولدًا: لَنَقَضَ طِباعَها، ولفسَخَ عَقْدَها، ولو كانت أبرع الخلق جمالًا، وأكملهم كمالًا، وأملحهم ملحًا، فإن تهيَّأ مع ذلك، من هذا المُتعشِّق أن تدمع عينُهُ: احتاجت هذه المرأة أن يكون معها وَرَعُ أم الدرداء، ومعاذة العدوية، ورابعة القيسيَّة، والشجاء الخارجية"، فإذا كان هذا التأثر العميق يمكن أن يحصل للفتاة البارعة من مثل هذا القبيح الساقط في شكله وحاله، فكيف بمن خفي عليها حاله، واستتر خلف الحواجز والحجب، ولم يبدُ لها من أمره إلا حُسن صوته، وخداع كلامه عبر خطوط الهاتف الدقيقة؟