الصفحة 125 من 180

زحمة الحياة، ويغرق في النعيم المادي، وينسى النعيم الروحي الَّذي لا يتحقَّق إلا بالاتصال بربِّه، وشكره والعمل على مرضاته. وقد يؤدِّي به هذا النسيان للتردِّي في حمأة الرذيلة فيكفر بنعم الله، ويسيء إلى مخلوقاته. من هنا رتَّب الله تعالى عقوبات رادعة لأمثال هؤلاء العصاة، بهدف إحقاق الحقِّ، وإقامة ميزان العدل في الأرض لا رغبةً في الانتقام، أو أخذًا بثأر، أو تشفِّيًا، أو سعيًا لمغنم أو دفعًا لمغرم، تنزَّه الله وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا. وإنما هو العقاب الزاجر والرادع عن المعاصي وأكل الحقوق، فلو أن الحياة كانت تجري بالإنسان من غير هذا الرادع، المتمثِّل بالعقاب الدنيوي أو الأخروي، أو كليهما معًا، لرأينا المجتمع الإنساني أشبه بالغابة، يأكل كبيرُ وحوشها صغيرَها، ويهتك قويُّها حرمة ضعيفها. فكان لابدَّ من وجود العقاب على الإساءة والجحود، مقابل الثواب على الإحسان والشكر.

فليس سواءً مَنْ شَكَرَ نِعَمَ الله ووظَّف حواسَّه وقدراته في سبيل عبادته وخدمة مخلوقاته، ومن كفر بها وجحد وعطَّل هذه النعم وأساء استعمالها. فالشكر هو إدراك قيمة هذه النعم واستثمارها مع التعبير عن الامتنان لذلك، والكفر هو الجهل بها وتبديدها وإظهار الجحود والنكران لها، وقد ربطت الآية الكريمة الشكر مع الإيمان لأنه قرينه الملازم له، فالمؤمن يشكر الله على نعمه ويشكر العباد على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت