الصفحة 60 من 180

تقطِّب السماء جبينها، وتسري رعدة على سطح البحر، وتهبُّ الريح الهوجاء، ويعلو الموج، وتتقلقل السفينة، ويحدق الموت بمن عليها فتراهم يترنَّحون وكأنَّهم سكارى وما هم بسكارى، ولكنَّه الخطب الشديد والغرق الوشيك.

عندها، وبشكل فطري لا إرادي، تتَّجه أنظار القوم نحو السماء، وتَسْبَحُ في عالم الملكوت، ويدركون أن الله وحده هو المنقذ، فتعتريهم رعدة الرجوع إلى الحقِّ، وترتفع الأصوات بالدعاء والاستغاثة، مصطدمة بعويل الريح وعاتي الأمواج، وتتعرَّى فطرتهم ممَّا علاها من ركام البعد، ويخلع القلب حجاب الغفلة، فيتخذ عهدًا عند الله أن يثوب إليه ويؤوب، وأن يحوِّل اتجاهه من الضلال إلى الهدى، ومن الغيِّ إلى الرشد. ويأتي الأمر إلى الريح من الله الرحيم بعباده فتهدأ، وإلى البحر فيسكن، ويسكن معه كلُّ شيء بما في ذلك القلوب الَّتي تستردُّ طمأنينتها، وتواصل السفينة رحلتها وكأنَّ شيئًا لم يحدث، حتَّى إذا وصلت إلى شاطئ الأمان، ولامست أقدام الناس الأرض اليابسة، تحرَّك وحش الغفلة والأنانية في أعماقهم، فإذا هم ينسون أو يتناسون ما قطعوه من عهد لله، فيعيثون في الأرض فسادًا، ينشرون الجهل والجاهلية، ويحوِّلون فراديس العلم إلى مقابر للعقل والقلب والهداية، ويَلْبِسُون الحقَّ بالباطل ويشوِّهون كلَّ ما هو جميل،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت