الصفحة 64 من 180

أجل تيسير أموره وتمكينه من تحقيق قصده من هذا السفر. ويلفت الله تعالى نظر عباده إلى اليوم القريب، الَّذي تنطلق فيه رحلتهم الأبدية، تلك الرحلة ذات الاتجاه الواحد، والَّتي لا عودة بعدها، إنها الرحلة الَّتي يصل فيها المرء إلى مكانٍ؛ العملةُ المتداولة فيه هي أعماله فقط، تلك الأعمال الَّتي كان يقوم بها خلال مسيرة الحياة الجسدية. وفي هذه الرحلة يحقُّ له أن يحمل من حقائب السَّفر ما شاء، فلا قيود على الوزن، لأن محتويات هذه الحقائب هي محصِّلة أعماله، وزاده من الَّتقوى. التَّقوى الَّتي تجعل القلب، وهو يقطع رحلة الحياة يقظًا، حسَّاسًا شاعرًا بالله في كلِّ حالة، خائفًا متحرِّجًا، خجلًا من أن يطَّلع الله عليه في حالة يكرهها؛ وعين الله على كلِّ قلب، في كلِّ لحظة، لا تغفل ولا تنام، فمتى يأمن ألا يراه؟.

ويحذِّر الله عباده من أن يكونوا كأولئك الَّذين نسوه فأنساهم أنفسهم، وهي حالة عجيبة، ولكَّنها حقيقية، فالَّذي ينسى الله يهيم في هذه الحياة بلا رابطة تشدُّه إلى أفق أعلى، وبلا هدف يرفعه عن السائمة الَّتي ترعى، وفي هذا نسيان لإنسانيته. وهذه الحقيقة تنشأ عنها حقيقة أخرى، هي نسيان هذا المخلوق لنفسه، فلا يدَّخر لها زادًا للحياة الأخروية الباقية، ولا ينظر فيما قدَّم لها للغد القريب من رصيد. وهذا كله يتطلَّب من المرء صحوة روحية وهو في عالم المادَّة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت