الجنَّة الرحبة الواسعة الَّتي أعدَّها الله لمن امتثل أوامره وترك نواهيه، وزكَّى نفسه ونمَّى عقله وأنار قلبه، وأمضى رحلة حياته في الإشادة والبناء وإسعاد الناس وخدمة الخلائق، إلى أن يصل إلى مرتبة المتقين الَّذين تصفهم الآيات بجملة من الصفات الجليلة.
فهم ينفقون في السَّعة والضيق كلٌّ حسب حاله، وهذا أَدَلُّ على التَّقوى، لأنَّ المال عزيز على النفس، يشقُّ عليها بذله في طرق الخير والمنافع العامَّة، وحبُّ الخير هو الَّذي يحرِّك في الإنسان دافع البذل، فإن لم يتوافر هذا الدافع بقرار ذاتي، فالدِّين ينمِّيه ويقوِّيه، لأنه جاء لتعديل الأمزجة المعتلَّة، وإصلاح النفوس المريضة.
وكذلك هم الَّذين يملكون زمام نفوسهم، فلا يظهرون غيظهم مع قدرتهم على الإيقاع بأعدائهم، ولا يُغلَب الغيظ إلا بتلك الشفافية اللطيفة المنبثقة من إشراقة التَّقوى، وبتلك القوَّة الروحية المنبعثة من التطلُّع إلى أفق أعلى وأسمى من أفق الذَّات وضروراتها. إن كظم الغيظ هو المرحلة الأولى فقط، وهو وحده لا يكفي، فقد يكظم الإنسان غيظه دون زوال حقده، لذلك تمضي الآيات لتشير إلى المرحلة الثانية الكفيلة بانتزاع الأحقاد من صدور المؤمنين، وهي العفو والسماحة والتجاوز، والله سبحانه لم يدعُ الناس إلى السماحة فيما بينهم، إلا بعد أن أطلعهم على جانب من سماحته معهم ليتذوَّقوا