وقد أجمع علماء القلوب على أن القلوب لا تصل إلى مناها حتى تصل إلى مولاها، ولا تصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة زكية، والله عز وجل طيب لا يقبل إلا طيبا، فكلما طابت النفس وزكت قربها الله عز وجل، فتسعد بالله عز وجل، وتأنس بالله عز وجل، وتستغني بالله عز وجل.
وكلما عصى العبد ربه وصغر نفسه وحقرها بمعصية الله طرده الله عز وجل عن حضرته، وأبعده بقدر جنايته، فتحدث الوحشة بينه وبين ربه عز وجل، وبينه وبين عباد الله المؤمنين، فلو حصلت له الدنيا بحذافيرها لم تعوضه هذه الوحشة.
فالواجب كل المسلم حتى تزكو نفسه أن يستسلم لشرع الله عز رجل، بعد أن يتحقق قلبه بالتوحيد، وأن يكون بين يدي الشارع كالميت بين يدي الغاسل، ألا ترى أن الميت لا تكون له إرادة ولا هوى تخالف إرادة مغسله، بل يقلبه المغسل كيف يشاء، ويقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، وليس له إلا التسليم، وهذا معنى الإسلام وهو الاستسلام لشرع الله عز وجل.
قال الزهري: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم.
والشرع كله تزكية لنفوس العباد حتى يصلحوا لمجاورة الله في الجنة، فالتوحيد تزكية: قال الله تعالى: {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ 6 الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت: 6، 7] ، قال ابن كثير رحمه الله: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله وكذا قال عكرمة. [1] والصلاة تزكية: قال الله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت: 45] .
(1) تفسير القرآن العظيم (4/ 92) دار المعرفة.