الصفحة 16 من 36

ومن قرأ أسباب نزول هذه الآيات علم أن الإسلام في جانب الحق إيًّا كان بغض النظر عن كون صاحبه مسلمًا أو غير مسلم [1] .

وأيضًا: فإن مقصد القضاء إرجاع الحقوق لأصحابها, ووسيلة ذلك الحجج والبراهين, ومنع الفقهاء كل ما يؤدي إلى منع الخصم من طرح حجته سواء منعه من الكلام, أو إيذائه بكلام, أو نظرة, أو صياح, أو غيرها، فكيف يمكن للخصم أن يطرح حجته بطلاقة دون وجل أو خوف، وهو يرى خصمه متقدمًا عليه؟! فسيعلم عندها أن القضاء متحيز من بداية التحاكم, وأنه سيؤدي إلى الظلم في نهايته، والظلم ممنوع حتى لو كان المظلوم ذميًّا [2] .

أدلة القول الثاني:

استدل أصحاب القول الثاني على أنه ينبغي تمييز المسلم عن الكافر في الجلوس بالسنة والمعقول.

-ما روي عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه - أن درعًا له عند يهودي التقطها فعرفها, فقال: «درعي سقطت عن جمل لي أورق» فقال اليهودي: «درعي وفي يدي» ثم قال اليهودي: «بيني وبينك قاضي المسلمين» فأتوا شريحًا, فلما رأى عليًّا قد أقبل تحرف عن موضعه, وجلس علي فيه، ثم قال علي: لو كان خصمي من المسلمين لساويته في المجلس، ولكني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا تساووهم في المجلس» [3] .

وجه الدلالة:

أن عليًّا -رضي الله عنه - سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول في شأن أهل الذمة: «لا تساووهم في المجلس» وهو عام في القضاء وغيره بدليل أنه -رضي الله عنه - لم يساو ِِ خصمه في الجلوس كما هو الظاهر من الرواية, فدل هذا على عدم الوجوب في التسوية.

نوقش هذا الحديث من وجهين:

الأول: أكد الإمام أحمد أن هذا الحديث منكر، وأورده ابن الجوزي في «العلل» من هذا الوجه، وقال: «لا يصح، تفرد به أبو سمية» وقال عنه ابن الصلاح في الكلام عن أحاديث «الوسيط» : «لم أجد له إسنادًا يثبت» وقال ابن عساكر في الكلام على أحاديث «المهذب» : إسناده مجهول [4] .

وذكر الشوكاني نحو هذا, وزاد عليه قوله: «ورواه البيهقي من وجه آخر ـ أي: غير الوجه الذي رواه الحاكم, وابن الجوزي من طريق جابر عن الشعبي ـ وفي إسناده عمرو بن سمرة, وجابر الجعفي وهما ضعيفان» [5] .

قال الماوردي: «ولولا ضعف في إسناد هذا الحديث لقدم المسلم على الذمي وجهًا واحدًا» [6] .

(1) «الوجيز في الدعوى والإثبات» (ص 25) .

(2) «أصول المحاكمات» (ص450) .

(3) «سبل السلام» (4/ 125) .

(4) «تلخيص الجبير» (4/ 193) .

(5) «نيل الأوطار» (8/ 258) .

(6) «الحاوي الكبير» (20/ 346) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت