فهرس الكتاب
الثاني: وعلى فرض صحة الحديث, فإنه لا يدل على عدم التسوية، بل العكس فإن القاضي شريح سمع الدعوى, وطلب كلام المدعى عليه, ثم بعد ذلك سأل المدعي عن البينة, ثم نفاها الخليفة علي فحكم بالدرع لليهودي، فأي تسوية أعظم من هذا؟!» [1] .
وأيضًا: إنه من افتراض الصحة، فهو يحوي نصًّا عامًا قد يشمل مجلس القضاء, وقد لا يشمله، وقد خصص بفهم سيدنا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه - فهو اجتهاد منه، إلا أن هذا الاجتهاد معارض بأدلة أخرى، ولابد من التوفيق بينهما، ولضعف الأثر المنقول فلا حاجة للتوفيق [2] .
من المعقول:
قالوا: «إن الكافر جنى على نفسه بكفره, فأخَّره ذلك عن المسلم» [3] .
والراجح:
مذهب جمهور الفقهاء القاضي بوجوب التسوية بين الخصوم في مجلس القضاء إذا كان أحدهما مسلمًا, والآخر غير مسلم، وذلك للآتي:
1 -قوة أدلتهم.
2 -خلوها من المعارض من كل وجه.
3 -رد دليل المخالف ردًُّا قويًّا.
4 -أن مجلس القضاء جاء بخصوصية منصوص عليها، والمقصد من هذه الخصوصية ضمان العدل واتباع الحق، ولا يكون ذلك بعدم المساواة يبن المسلم والذمي في المجلس, فمن خصوصية مجلس القضاء أن يتساوى فيه من ليسوا بسواء خارجه.
5 -أن هذا القول أقرب إلى روح الشريعة، ومقتضيات قواعدها العامة، بالإضافة إلى عموم النصوص المتقدمة في وجوب التسوية بين الخصوم في القضاء، وذلك أنه وردت أخبار كثيرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تقرر أن للذميين في دولة الإسلام ما للمسلمين من الحقوق، ودل على ذلك كثير من المسائل والفروع, ومن الحقوق حق المساواة في المعاملة في جميع المجالات, ومنها المعاملة التي تصدر عن القاضي, وهو ينظر في الخصومات, وأما الحديث الذي اعتمد عليه الفريق الثاني, فإنه لا يقوى على تخصيص تلك القاعدة العامة، وتلك الأخبار الصحيحة المقتضية لوجوب المساواة.
6 -أن أبا يوسف -رحمه الله - قال في مناجاته عند موته: «اللهم إن كنت تعلم أني ما تركت العدل بين الخصمين إلا في حادثة واحدة فاغفر لي» قيل: «وما تلك الحادثة؟» قال: «ادعى نصراني على أمير المؤمنين دعوى, فلم يمكنني أن آمر الخليفة بالقيام من مجلسه, والمحاباة مع خصمه, ولكني رفعت النصراني إلى جانب البساط بقدر ما أمكنني, ثم سمعت الخصومة قبل أن أسوِّي بينهما في المجلس, فهذا كان جوري» [4] .
(1) «الوجيز في الدعوى والإثبات» (ص 26) .
(2) «أصول المحاكمات» (ص 449) .
(3) «قواعد الأحكام» (1/ 72) «المغني» لابن قدامة (9/ 82) .
(4) «المبسوط» (16/ 61) «البحر الرائق» (6/ 306) .