الصفحة 18 من 36

المطلب الثاني

تقديم المرأة على الرجل, والمسافر على المقيم

فإذا وجد الناس على باب مجلس القضاء وجب العدل بينهم في الترتيب الذي يتبعه القاضي في النظر بينهم، فجعلوا الأولوية في ذلك للسابق منهم؛ لأنه صاحب الحق بسبقه، فهو كما لو سبق إلى موضع مباح إلا أنهم قالوا بتقديم المسافر المتهيئ للسفر الذي يصيبه الضرر من انتظار دوره، ولكن إذا كان المسافرون كثيرًا بحيث يتضرر المقيمون من تقديمهم فلا يقدمون، ووجب تقديم السابق عليهم؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر المماثل له, أو الأشد منه [1] .

وتقدم المرأة إذا كانت تتعرض للضرر من غيابها عن بيت زوجها, هذا إذا اضطرت المرأة للحضور مع الرجال، كأن تكون الخصومة بينها وبين رجل، وإلا فيجب الفصل بين الرجال والنساء في المكان أو الزمان، وفي هذا يقول السرخسي: «ينبغي للقاضي أن يقدم النساء على حدة, والرجال على حدة، لأن الناس يزدحمون في مجلسه, وفي اختلاط النساء مع الرجال عند الزحمة من الفتنة والقبح ما لا يخفى, ولكن هذا في خصومة تكون بين النساء, فأما الخصومة التي تكون بين الرجال والنساء لا يجد بدًّا من أن يقدمهن مع الرجال» [2] .

وكذلك المريض الذي يتضرر من المكوث إذا كان مدعى عليه, فإن كان مدعيًّا فلا يقدم؛ لأنه غير مجبر على الانتظار [3] .

وإذا تساوى المتخاصمون في القدوم أقرع بينهم، فمن خرجت له القرعة قُدِّمَ، إذ لا سبيل إلى غير ذلك [4] .

المساواة بين الخصوم في القانون

اعتبرت التشريعات الوضعية المساواة بين الخصوم, وحياد القاضي من الأصول العامة في التقاضي.

ولهذا المبدأ مظاهر في التشريعات المعاصرة تدل عليه:

1 -عدم جواز الجمع بين صفتي الحكم والخصم.

ويقتضي ذلك عدم إتاحة الفرصة للقاضي في أن ينظر في أية دعوى يكون له فيها مصلحة شخصية.

2 -عدم جواز قضاء القاضي بعلمه.

سدًّا لذريعة ميله إلى أحد الخصوم، وسدًّا لذريعة اتهامه من قبل أحد الخصوم بالمحاباة للطرف الآخر [5] .

3 -وجوب المساواة بين الخصوم أمام القضاء.

ويقتضي ذلك وحدة النظر إلى الخصوم, ووحدة المعاملة ما داموا في نفس الظروف, فلا يولي أحدهم رعاية خاصة، إلا بناء على اعتبارات إنسانية لا ترقى إليه بسببها الشكوك، فلا يعبس في وجه خصم، ويبش في وجه آخر، ولا يأذن لأحدهما بالجلوس

(1) «المبسوط» (16/ 80) «حاشية العدوي» (3/ 153) «مغني المحتاج» (4/ 412) «المغني» لابن قدامة (9/ 83, 84) .

(2) «المبسوط» (16/ 80) «بدائع الصنائع» الكاساني (7/ 13) «الخرشي على مختصر خليل» (7/ 153) .

(3) «مغني المحتاج» (4/ 412) .

(4) «فتح المعين, وإعانة الطالبين» (4/ 217) «مغني المحتاج» (4/ 412) «منتهى الإرادات» القسم الثاني (ص 580) .

(5) «أصول المرافعات» أحمد مسلم (ص 374, 375) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت