فهرس الكتاب
فقد نصت المادة 6 من قانون الإمارات على أنه إذا لم يجد القاضي نصًّا في هذا القانون حكم بمقتضى الشريعة الإسلامية على أن يراعي تخير أنسب الحلول من مذهبي الأمام مالك, والإمام أحمد بن حنبل, فإذا لم يجد فمن المذاهب الأخرى حسبما تقتضيه المصلحة [1] .
المطلب الثالث
قبول الهدية
الأصل أن قبول الهدية في الشرع مندوب إليه، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «نعم الشيء الهدية إذا دخلت الباب ضحكت الأسكفة» وقال -صلى الله عليه وسلم-: «الهدية تذهب وجر الصدر» وقال أيضًا: «تهادوا تحابوا» [2] .
ولكن هذا في حق من لم يتعين لعمل من أعمال المسلمين, فأما من تعين لذلك كالقضاة والولاة, فعليه التحرز من قبول الهدية خصوصًا ممن كان لا يهدي إليه قبل ذلك؛ لأنه نوع من الرشوة والسحت.
والدليل على ذلك ما رواه الشيخان عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلًا من الأزد على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتيبة, فلما جاء حاسبه قال: «هذا ما لكم, وهذا هدية» فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا» ثم خطبنا, فحمد الله, وأثني عليه ثم قال: «أما بعد, فإني استعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول: «هذا مالكم وهذا هدية أهديت لي» أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا، والله لا يأخذ أحد منكم منها شيئًا بغير حق إلا لقى الله تعالى يحمله يوم القيامة, فلا أعرفن أحدًا منكم لقى الله يحمل بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار, أو شاة تبعر» ثم رفع يده حتى رُئي بياض إبطيه ثم قال: «اللهم هل بلغت، بصر عيني وسمع أذني» [3] وقد وردت أخبار كثيرة بتحريم هدايا العمال منها قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «هدايا العمال غلول» [4] فهذا يدل على تحريم قبول مطلق الهدية على الحاكم وغيره.
قال الشوكاني: «والظاهر أن الهدايا التي تهدى للقضاة ونحوهم هي نوع من الرشوة؛ لأن المهدي إذا لم يكن معتادًا للإهداء إلى القاضي قبل ولايته لا يهدي إليه إلا لغرض، وهو إما التقوي به على باطله، أو التوصل إلى حقه والكل حرام، وأقل الأحوال أن يكون طالبًا لقربه من الحاكم, وتعظيمه ونفوذ كلامه، ولا غرض له بذلك إلا الاستطالة على خصومه, أو الأمن من مطالبتهم له, فيحتشمه من له حق عليه, ويخاف من لا يخافه قبل ذلك، وهذه الأغراض كلها تؤول إلى ما آلت إليه الرشوة, فليحذر الحاكم المتحفظ لدينه, المستعد للوقوف بين يدي ربه من قبول هدايا من أهدى إليه بعد توليه للقضاء, فإن للإحسان تأثيرًا في طبع الإنسان, والقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، فربما مالت نفسه إلى المُهدِي إليه ميلًا يؤثر على الحق عند عروض المخاصمة بين المُهدِي وبين غيره , والقاضي لا يشعر بذلك, ويظن أنه لم يخرج عن الصواب بسبب ما قد زرعه الإحسان في قلبه, والرشوة لا تفعل زيادة على هذا, ومن هذه الحيثية امتنعتُ عن قبول الهدايا بعد دخولي في القضاء ممن كان يهدي إليَّ من
(1) «فقه القضاء والدعوى والإثبات» (ص 309) .
(2) «المبسوط» (16/ 82) «تبصرة الحكام» (1/ 22, 23) «نهاية المحتاج» (8/ 95) «المغني» لابن قدامة (9/ 77) «نيل الأوطار» (8/ 375) .
(3) أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب الأحكام, باب هدايا العمال برقم 7174.
(4) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» كتاب آداب القاضي, باب لا يقبل منه هدية (15/ 143) .