فهرس الكتاب
أدلة القول الثالث:
استدل أصحاب القول الثالث على أن القضاء بعلم القاضي مقبول فيما إذا علم به بعد توليه القضاء, وفي مكان ولايته, وكان القاضي مستمرًا في الحكم منذ عمله حتى عرض الواقعة على القضاء دون أن يفرق بينهما عزل بما استدل به أصحاب القول الثاني، ثم قيَّدوها بأدلة المنع التي مع أصحاب القول الأول, وعللوا ذلك بأن الذي علمه الحاكم قبل القضاء كان على طريق الشهادة, فلو حكم به لحكم بشهادة نفسه, فصار بمنزلة من قضى بدعواه على غيره، وأيضًا يكون كالحاكم بشاهد واحد [1] .
الراجح:
بعد هذا العرض قول القائلين بأن القاضي لا يحكم بعلمه مطلقًا؛ وذلك للأتي:
1 -قوة أدلتهم.
2 -رد ما ورد عليها من اعتراضات.
3 -رد دليل المخالف ردًّا قويًّا.
4 -أن الواقع يؤيد المنع سدًّا للذرائع؛ ولأن درء المفسدة مقدم على جلب المنفعة، وصدق الشافعي إذ قال: «لولا قضاة السوء لقلت إن للحاكم أن يحكم بعلمه» .
وقال ابن حجر معلقًا على كلام الإمام: «وإذا كان هذا في الزمان الأول, فما الظن بالمتأخر؟! فيتعين حسم مادة تجويز القضاء بالعلم في هذه الأزمان المتأخرة؛ لكثرة من يتولى الحكم ممن لا يؤمن على ذلك» [2] .
5 -وأيضًا الاستناد إلى قاعدة «ارتكاب أخف الضررين» فإن الضرر المترتب على منع القضاء بعلم الحاكم ضرر خالص على المتقاضين فقط، أما الضرر الناشئ عن جوازه, فيقع على الناس جميعًا، ويصبح كل فرد مهددًا بالحكم عليه من القاضي استنادًا إلى علمه الشخصي المزعوم, وتفقد الثقة بالقضاة، ويصبح القضاء سيفًا مسلطًا على الناس؛ ولذلك يرتكب الضرر الخاص لرفع الضرر العام, ويقدم أخف الضررين.
غير أنه يقصد بالعلم الذي يمنع القاضي من الاعتماد عليه في حكمه العلم السابق للقضية، أما العلم الذي يستفيده من دراسة واقع القضية, كما لو استنتج شيئًا بعد رؤية محل النزاع, ومعاينته له فهو جائز، إذ لا ترد عليه التهمة في مثل ذلك, والله أعلم.
الإثبات بعلم القاضي في القانون:
في القوانين المعاصرة خولت القضاة سلطة تقديرية واسعة في الإثبات, فمنحت القاضي سلطة مطلقة في تقدير وسائل الإثبات, وأعطته حرية تكوين القناعة من الوقائع المعروضة عليه، ومع ذلك منعت القضاء بعلم الحاكم, ونصت صراحة على المنع مثل قانون الإثبات في الإمارات فنص في المادة الأولى ف3 على عدم الحكم بعلم القاضي, أما قانون المعاملات المدنية والتجارية لدولة الإمارات العربية المتحدة فقد حدد طرق الإثبات حصرًا بـ 6 م/112 ولم يذكر علم القاضي.
(1) «فتح الباري» (15/ 38) «حاشية الحموي على الأشباه» (1/ 353) «المبسوط» (16/ 105) .
(2) «فتح الباري» (15/ 64) .