فهرس الكتاب
في ذلك الوقت موجات من الكراهية، اشتد هديرها، وارتفع غليانها بمقدار ما بينهم من خلافات جوهرية، فلم يستول الخوف على القلوب في الجانب المسيحي بسبب تهديد العقيدة فقط؛ بل ملأ الحقد القلوب أيضا بسبب نجاح الإسلام في المجالات: السياسية، والاقتصادية، والحضارية ... التي فرضت نفسها على المنطقة كنموذج إسلامي.
ظل غضب المسيحيين مكبوتا إلى أن انفجر أثناء الحملات الصليبية؛ فسقطت الضحايا من الجانبين، وكان من بين الضحايا الكثيرة من صفوة الرجال، فإذا تذكر المرء أن المسيحيين استطاعوا الاستيلاء على الأماكن المسيحية فينبغي ألا ينسى أنهم حققوا هذا النصر في وقت خرج فيه المسلمون من محنة غارات التتار منهكة قواهم بعد أن خسروا كثيرا من مقومات حضاراتهم، وفقدوا العديد من العناصر التي كانت تشد أزرهم، وتقوي جبهتهم، ومع هذا فقد كان للمسلمين آثار بعيدة المدى ... وإن من دواعي الفخر للإسلام - وهو أمر يحتم علينا الاعتراف بأفضليته - أن موقفه تجاه المسيحية في القرون الوسطى كان متسما بالسماحة؛ إذ لم يحمل أتباعه على التعصب ضد المسيحيين واضطهادهم). [1]
وقال عبد الله وليم كويليام الاإنجليزي الذي كان نصرانيا ثم أسلم بعد أن نقل قول المستشرق داود أوركوهرت في كتابه (روح الشرق) المطبوع عام 1829م: (إن الإسلام لم يكن دينا مبتدعا ولا محيا مخترعا ليس به قسوسية ولا حكومة كنائسية؛ بل شريعة للناس كافة ونظاما مدنيا يجب على كل مسلم الانقياد إليه) ثم قال عبد الله بعد أن نقل قول المستشرق: (ولقد أكد هذا القول جم غفير من الأوربيين إلى أن قال: ومع كل هذا فإن أفكار الأمة الإنكليزية حتى الآن لم تتأثر بذلك، وحقيقة دين الإسلام مجهولة لديهم، ومن المعلوم أن الأمة الإنكليزية مع ما هي عليه من اختلاف في الدين المسيحي قد ورثت من آبائهم الكراهية الشديدة لهذا الدين حتى صارت تلك الكراهية كأنها من واجباتهم الدينية) [2]
ومن خلال سبر لمسيرة النصرانية في مواجهة الإسلام وما حفلت به هذه لمسيرة من حقد وغضب يقسِِِم الأستاذ محمود شاكر المراحل التي مرََ بها هذا الصراع فيجعلها في أربع
(1) الإسلام قوة عالمية متحركة، ص 209.
(2) اعتقاد الإسلام 16.