... وقال القنوجي في تعريف علم الاحتساب: هو النظر في أمور أهل المدينة بإجراء مراسم معتبرة في الرياسة الاصطلاحية، ونهيُُ عن مخالفتها، وتنفيذ ما تقرر في الشرع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم تابع القنوجي رحمه الله تشبيه موقع المحتسب من جسم المجتمع المسلم والأمة المسلمة بقوله: والسلطان بالنسبة إلى المُلك بمنزلة الرأس من البدن الذي هو منبع الرأي والتدبير، والوزير بمنزلة اللسان المعبر عما في الضمير، وأهل الاحتساب بمنزلة الأيدي والأقدام والمماليك والخدام، ولن يتم أمر الملك إلا بهؤلاء الثلاثة.
ثم نقل عن (كشف الظنون) لحاجي خليفة قوله عن الاحتساب: هو علم باحث عن الأمور الجارية بين أهل البلد من معاملاتهم اللاتي لا يتم التمدن بدونها، من حيث إجراؤها على القانون العدل بحيث يتم التراضي بين المتعاملين، وعن سياسة العباد بنهي المنكر وأمر المعروف، بحيث لا يؤدي إلى مشاجرات وتفاخر بين العباد بحسب ما رآه الخليفة من الزجر والمنع
وهذا العلم من أدق العلوم ولا يدركه إلا من له فهم ثاقب وحدس صائب. إذ الأشخاص والأزمان والأحوال ليست على وتيرة واحدة فلا بد لكل واحد من الأزمان والأحوال سياسة خاصة وذلك من أصعب الأمور. فلذلك لا يليق بمنصب الاحتساب إلا من له قوة قدسية مجردة عن الهوى كعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. لذلك كان علمًا في هذا الشأن.
منشأ الحسبة وأنواعها:
ومن أفضل ما استدل به على مشروعية الحسبة قوله سبحانه { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} (آل عمران/104) وقوله سبحانه { والمؤمنون والمؤمنات بعضم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم } (التوبة/71) .