ثم يقول: والمتكلمون على هذه الجغرافيا قسموا كل واحد من هذه الأقاليم السبعة في طوله من المشرق إلى المغرب بعشرة أجزاء متساوية، ويذكرون ما اشتمل عليه كل جزء منها من البلدان والأمصار والجبال والأنهار والمسافات بينها في المسالك. ونحن ـ أي ابن خلدون ـ نوجز القول في ذلك، ونذكر مشاهير البلدان والأنهار والبحار في كل جزء منها، ونحاذي بذلك ما وقع في كتاب (نزهة المشتاق) الذي ألفه العلوي الإدريسي الحمودي لملك صقلية من الإفرنج وهو روجار بن روجار عندما كان نازلًا عليه بصقلية بعد خروج صقلية من إمارة مالقة. وكان تأليفه للكتاب في منتصف المائة السادسة.
وقد ألحق ابن خلدون في مقدمته الحديث عن المناخ الطبيعي والأحوال الجوية بالجغرافيا. فبعد أن تكلم عن الأقاليم السبعة بتفصيل مدهش ـ خاصة إذا ما قورن بالعهد السحيق الذي كان فيه ـ عاد فتكلم ثانية في المقدمة الثالثة في المعتدل من الأقاليم والمنحرف، وتأثير الهواء في ألوان البشر وكثير من أحوالهم. ثم تكلم في المقدمة الرابعة في أثر الهواء في أخلاق البشر ثم تكلم في المقدمة الخامسة في اختلاف أحوال العمران في الخصب والجوع وما ينشأ عن ذلك من الآثار في أبدان البشر وأخلاقهم.
وهكذا نرى كيف أن للجغرافيا في العلوم الإسلامية حظًا وافرًا ونصيبًا كبيرًا.
هذا مع ملاحظة أن علم الجغرافيا الحالي قد تطور كثيرًا عنه فيما مضى وذلك نتيجة المبتكرات الحديثة والأبحاث العلمية التي لم تدرك البشرية من قبل مثل إمكانياتها ووسائلها.
علم الهيئة
رابع وعشرون: علم الهيئة ( الفلك )
... علم الهيئة علم معروف ومجهول، قديم وحديث.
... فأما أنه معروف فمن حيث تسميته الحديثة التي هي أشهر من نار على علم، والتي أصبحت للعصر الحديث صفة وميزة، إنه علم الفلك والنجوم والفضاء، أليس عصرنا عصر الفضاء؟...