... ويحدثنا ابن خلدون كيف وضعت قواعد علم النحو؟ وكيف فكر العرب في المحافظة على اللغة ونطقها، بعد أن فسدت ملكات النطق السليم لديهم فيقول: فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطردةً، شِبه الكليات والقواعد، يقيسون عليها سائر أنواع الكلام، ويلحقون الأشباه بالأشباه، مثل أن الفاعل مرفوع، والمفعول منصوب، والمبتدأ مرفوع، ثم رأوا تغير الدلالة بتغير حركات هذه الكلمات، فاصطلحوا على تسميته إعرابًا، وتسمية الموجب لذلك التغير عاملًا، وأمثال ذلك، وصارت كلها اصطلاحات خاصة بهم.
أوائل النحويين:
... وقد اختلف العلماء فيمن تكلم أولًا بعلم النحو من حيث هوعلم، وفيمن وضع له بعض قواعده.
ولعل أول من أرسل فيه كلامًا أبو الأسود الدؤلي، الذي اخترع الحركات المعروفة بالفتحة والضمة والكسرة عندما اختار كاتبًا، وأمره أن يأخذ المصحف وصبغًا يخالف لون المداد، وقال له: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه، فإن ضممتُ فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة تحت الحرف، فإن أتبعتُ شيئًا من ذلك غنة فاجعل مكان النقطة نقطتين.
... وقيل: إن عليًا رضي الله عنه وجه أبا الأسود إلى ذلك وقال له: انحُ نحوَ هذا... فمن هذا أخذ اسم النحو.
... يقول الأستاذ سعيد الأفغاني في كتابه (من تاريخ النحو) : أخذ عن أبي الأسود يحيى بن يَعْمر وعنبسة الفيل وميمون الأقرن ومضر بن عاصمٍ وعطاء بن أبي الأسود وأبو نوفل بن أبي عقرب، وعن هؤلاء أخذ علماء البصرة طبقة بعد طبقة، ثم نشأ بعد نحو مائة عام من تلاميذهم من ذهب إلى الكوفة فعلم بها، فكان منه ومن تلاميذه مايسمى بمدرسة الكوفة.
... وقد كان للخليل بن أحمد الفراهيدي فضل كبير في هذا المجال، وهو ـ لاننسى ـ أستاذ شيخ النحو سيبويه، أخذ عنه، وكمل من بعده تفاريع النحو، وأكثر من أدلته وشواهد قواعده، ووضع فيه كتابه المشهور.