فهرس الكتاب
وارتبط بهذا الوضع الجديد ما تولد للإنسان في حياته الخاصة من مدارك وأذواق تطلع بها إلى ضروب من زهرة الحياة ، على غير ما كان يتطلع إليه من قبل ، وما تولد في حياته العامة من ربط علاقته بالأفراد وبالمجاميع ، ما غير قهرًا صورة نظم الحكم ونظم المعاملات ، فقضى بتبدل دساتير الدول وقوانينها ، ظهرت آثار ذلك كله فيما تمكن للأمم التي استقرت فيها تلك المعارف وتولدت عنها ولائدها: من الاكتشافات وزهرة الحياة وسلامة نظام الحكم ، وانتظام حالة الفرد والمجتمع ، فإذا هي كما يقول حافظ:"فالتقت دولة العجب ، بدولة الأدب ، واجتمعت بدائع الاختراع ، ببدائع اليراع ، واخضل ظل هاتين الدولتين ، وامتد من المغربين إلى المشرقين ، وأضحى الناس بين نعيم الحرية ونعيم المدنية".
وإذا أثر ذلك: أن الذين فزعوا من نومهم مذعورين ، وهم أبناء الشرق الإسلامي ، لما نظروا إلى هذا العالم الإنساني الذي فاز بسعادته الدنيوية أيقنوا أن ما كان يقض مضاجعهم من آلام لم يكن ناشئًا إلا من الصولة التي صال عليهم بها قرنهم الغربي ، فأقبلوا يعدون أنفسهم لأن يفوزوا بما فاز به ، ويتلمسون قواقع الأدواء منهم وانتهى بذلك دور الانتفاضات التي ختم بها القرن الثالث عشر ، ومثل تفسير الآلوسي منها شيئًا ضئيلًا ، على نحو ما يمثل أثر فكري انتفاضات لا يحكمها العزم ، ولا يمليها الوعي ، وأقبلوا على حركات تمليها العزائم الواعية ، وتتقدم الجهود الفكرية لتسييرها في فروع الحياة الإسلامية عامة منطلقة بسيرها ذلك من أصل الحياة وقوامها وهو التفكير الديني المؤسس على القرآن وتفسيره.
الإصلاح الديني