فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 153

ذلك هو حال العالم الإسلامي في التنافر بين مثله العليا وبين واقعه المحسوس ، أواخر القرن الهجري الماضي ، يؤمن في نفسه بعظمة وعزة لا يجد لهما في الأمر الواقع مظهرًا ، ويقدر قرنه الأوروبي بمنزلة الدون فيجده في الواقع قد سما فوق تلك المنزلة بمراحل ويهجر من شرائعه وعوائده وآدابه ما يجب عنده أن لا يهجر ، ويتلبس من شرائع غيره وعوائده وآدابه بما لا يجوز في نظره أن يتلبس به ، فإذا الفوضى العقلية تنتشر حوله وتسود عليه ، وإذا أمواج الأهواء السياسية تتقاذفه ، وإذا هو مسلوب الإرادة ، مسلوب اللب ، يفعل الشئ ولا يقبل أن يقال أنه فعله ، ويستحل العمل ولا يرضى على من يقول له: إنه حلال ، وكان من طبع تلك الجهالة الأليمة ، أن تنتهي بالمجتمع الذي نزلت به إلى إحدى نتيجتين:

إما الانسلاخ التام عن مثله ومبادئه الاعتقادية ، بتعوده شيئًا فشيئًا ، ما هو جار عليه من واقع ناب عن تلك المثل والمبادئ ، وإما عزم جديد يدفعه إلى أن يجمع نفسه النافرة ، إلى نفسه الحاضرة ويتناول ما هو أمامه بجأش رابط ، وفكر ثاقب ، حينما يستطيع أن يجد في مثله العليا ومبادئه الاعتقادية مساغًا لتلك الأحداث التي هو خائض غمارها من حيث يدري ولا يدري.

ولكن الذي كان يحول بينه وبين ذلك العزم الجديد: أن المثل العليا ، والمبادئ التي استمدها من تعاليم الإسلام ، كانت غير متفتحة لأن يجد فيها مساغًا للأحداث الداهمة عليه ، فإن تلك المبادئ الإسلامية السمحة التي آخت بين العقل والدين ، ومكنت للأحكام الشرعية محل انطباقها ، دائر مع دوران المعاني والمصالح ، واختلاف الظروف الزمنية والمكانية ، كانت مع ذلك قد حملت من البدع ، وسئ التأويل وقصور الأنظار ، ما لا قبل لها باحتماله فقصرت المعاني عن غاياتها ، وانكمشت مرامي الدين عن أنظار العلم والحكمة ، وزادها ظلام عصور الجهالة وقرون الانحلال تضاؤلًا وانكماشًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت