فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 153

وكان موقع بلاد أفغانستان حيث شب السيد جمال الدين واكتمل ، قاضيًا بأن يتمكن لناشئة العلم فيها من التعلق بطريقة الماضين من رجالها: مثل الفخر الرازي ، والتفتازاني ، والاتصال بنبغاء الحكمة الإسلامية في الأقطار المجاورة لها في الهند وما وراء النهر ، وإيران ، حاضريهم وغابريهم ما يوجه بالناشئة الأفغانية إلى الإقبال على نهج الحكمة الإسلامية الذي عمرت به بيئتهم على حين هجره الكثيرون ، لا سيما وأن مجاورة القارة الهندية وشديد الاتصال بها ، مع ما يحمي أفغانستان من أن تنالها يد الحكم الاستعماري ، التي قبضت على الهند ، قد كان من شأنه أن يفتح للحكيم الأفغاني ، الحديد البصر الواسع النظر ، آفاقًا من المعرفة الذهنية والخبرة الشهودية قلما تتاح لغيره من أبناء الأقطار الشرقية الأخرى.

فالاستعمار البريطاني في صورته الطاغية الهادئة بعد القضاء النهائي على آخر رمق من إمبراطورية المغل ، في حرب السبهي قد كان عبرة لاستيلاء القلة على الكثرة ، ومنال الدخيل من الأصيل ، من شأنها أن تبعث في نفس من يرقبها عن كثب ، اعتبارات ومقايسات وأنظارًا في الأسباب والمسببات تفتتح له في إدراك ما أظهر الله من آية ، وما أخفى من سر ، في شأن هذه الأمة العجيبة التي تقلبت بها الأحوال بعد سلطان مبسوط ، وصفات فاضلة وعمران مستبحر وعزة قعساء إلى ما تعانيه من مذلات وإهانات وترزء به من خراب في البلاد أو فناء في الأرواح.

والحياة التي كان يحياها الإنكليز في الهند ، في المدن الخاصة بهم بضواحي العواصم الهندية الكبرى ، قد كانت مثلًا غريبًا في نظام الأسرة وحياة الجماعة وسيطرة الحكمة والرشد على كل مظهر من مظاهر السلوك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت