الثاني: أن من حُكِمَ على تفسيره بأنه من التفسير بالمأثور قد حِيفَ عليه وتُنُوسي جهده الخاص في الموازنة والترجيح بين الأقوال التي يذكرها عن السلف، وأشهر مثالٍ لذلك إمام المفسرين ابن جرير الطبري، حيث يعدّه من يقابل بين التفاسير بالمأثور والتفسير بالرأي من المفسرين بالأثر، وهذا فيه حكم قاصرٌ على تفسير الإمام ابن جرير، وتعامٍ أو تجاهلٌ لأقواله الترجيحية المنثورة في كتابه.
هل التفسير منسوب إليه أم إلى من يذكرهم من المفسرين؟!
فإذا كان تفسيره هو؛ فأين أقواله وترجيحاته في التفسير؟!
أليست رأيًا له؟
أليست تملأ ثنايا كتابه الكبير؟!
بل أليست من أعظم ما يميّز تفسيره بعد نقولاته عن السلف؟!
إن تفسير ابن جرير من أكبر كتب التفسير بالرأي، غير أنه رأي محمود؛ لاعتماده على تفسير السلف وعدم خروجه عن أقوالهم، مع اعتماده على المصادر الأخرى في التفسير.
كما أن تفسيره من أكبر مصادر التفسير المأثور عن السلف، وفَرْقٌ بين أن نقول: فيه تفسير مأثور، أو أن نقول: هو تفسير بالمأثور؛ لأن هذه العبارة تدل على أنه لا يذكر غير المأثور عن السلف، وتفسير ابن جرير بخلاف ذلك؛ إذ هو مع ذكر أقوالهم يرجِّح ويعلِّل لترجيحه، ويعتمد على مصادر التفسير في الترجيح.
ولكي يَبِين لك الفرق في هذه المسألة: وازن بين تفسيره وتفسير عَصْرِيّهِ ابنِ أبي حاتم (ت: 327) الذي لا يزيد على ذكر أقوال السلف، وإن اختلفت أقوالهم فلا يرجح ولا يعلق عليها، أليس بين العالمين فرق؟
وأخيرًا .. هذه بعض قضايا في التفسير بالرأي، والموضوع يحتاج إلى بحث أعمق وأطول، والله الموفق.
الهوامش:
(1) انظر: مقدمة جامع التفاسير، 93 - 97.
(2) انظر: حاشية 7، ص 148، من كتاب التيسير في قواعد علم التفسير للكافيجي، وقد استفاد شمس الدين من الراغب؛ كما يظهر بالموازنة بين قوليهما، وقد نقل عن شمس الدين كلّ من: الكافيجي في التيسير 145 - 148، والسيوطي في الإتقان، 4/ 185.
(3) انظر: مقدمة جامع التفاسير للراغب (تحقيق: أحمد فرحات) 96، وعنه نقل الكافيجي في التيسير، 148.
(4) تفسير الطبري (ط: شاكر) ، 1/ 75.
(5) انظر: البرهان للزركشي، 1/ 92. (6) ذم الكلام للهروي (تحقيق: سميح دغيم) ، وشعب الإيمان للبيهقي، 5/ 232.
(7) تهذيب اللغة، 3/ 73. (8) تهذيب اللغة للأزهري، 9/ 20.
(9) القُصّاص: قوم جلسوا للوعظ والتذكير، وهم يذكرون آياتٍ وأحاديث يستشهدون بها في أحاديثهم مع الناس.