الصفحة 7 من 17

في هذا الأثر ترى أن عَمْرًا اجتهد رأيه في فهم هذه الآية، وطبّقها على نفسه، فصلى بالقوم بعد التيمم، وهو جنب، ولم ينكر عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا الاجتهاد والرأي.

ب - وفي حديث ابن مسعود، لما نزلت آية: (( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ ) ) [الأنعام: 82] قلنا يا رسول الله: وأينا لم يظلم نفسه، فقال: إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح (( يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) ) [لقمان: 13] ) (33) ، ترى أن الصحابة فهموا الآية على العموم، وما كان ذلك إلا رأيًا واجتهادًا منهم في الفهم، فلما استشكلوا ذلك سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأرشدهم إلى المعنى المراد، ولم ينههم عن تفهّم القرآن والقول فيه بما فهموه. كما يدل على أنهم إذا لم يستشكلوا شيئًا لم يحتاجوا إلى سؤال الرسول. والله أعلم.

3 -دعاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس: دعا الرسول -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس بقوله: (اللهم فقِّهه في الدين، وعلِّمه التأويل) وفي إحدى روايات البخاري: (اللهم علمه الكتاب) (34) .

والتأويل: التفسير، ولو كان المراد المسموع من التفسير عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما كان لابن عباس مَزِيّةٌ بهذا الدعاء؛ لأنه يشاركه فيه غيره (35) ، وهذا يدلّ على أن التأويل المراد: الفهم في القرآن (36) ، وهذا الفهم إنما هو رأيٌ لصاحبه.

4 -عمل الصحابة: مما يدل على أن الصحابة قالوا بالرأي وعملوا به ما ورد عنهم من اختلافٍ في تفسير القرآن؛ إذ لو كان التفسير مسموعًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما وقع بينهم هذا الاختلاف.

ومما ورد عنهم نصًا في ذلك قولُ صدِّيق الأمة أبي بكر - رضي الله عنه - لما سئل عن الكلالة، قال: (أقول فيها برأيي؛ فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأً فمني ومن الشيطان) (37) .

وكذا ما ورد عن علي - رضي الله عنه - لما سئل: هل عندكم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيءٌ سوى القرآن؟ قال: (لا، والذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، إلا أن يُعطِي الله عبدًا فهمًا في كتابه) (38) .

والفهم إما هو رأي يتولّد للمرء عند تفهّم القرآن؛ ولذا يختلف في معنى الآية فهم فلان عن غيره.

الهوامش:

(1) الغيث المسجم في شرح لامية العجم للصفدي، 1/ 63.

(2) المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي، 190، وانظر، ص 192، الأثر رقم 217.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت