الصفحة 2 من 53

الإسلام محيطة بجميع الحوادث الواقعة، أو الممكنة الوقوع · وهي قابلة لأن تستجيب لحاجات الناس في كل زمان ومكان ·

فإذا كانت مهمة الإسلام وخصائصه كما ذكرنا؛ فإن الاجتهاد هو الذي يكفل للشريعة تحقيق كل ذلك · إذ لا يمكن أن تكون أخيرة خالدة، حاملة حكمًا لكل حادث واقع، أو ممكن الوقوع، إذا لم يكن فيها اجتهاد قائم ودائم ·

يقول الشهرستاني:"وبالجملة نعلم قطعًا ويقينًا أن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات مما لا يقبل الحصر والعد · ونعلم قطعًا أيضًا أنه لم يرد في كل حادثة نص، ولا يتصور ذلك أيضًا · والنصوص إذا كانت متناهية، والوقائع غير متناهية، وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى؛ علم قطعًا أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار، حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد" (1) ·

وقال الشاطبي:"فلأن الوقائع في الوجود لا تنحصر؛ فلا يصح دخولها تحت الأدلة المنحصرة، ولذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد من القياس وغيره · فلا بد من حدوث وقائع لا تكون منصوصًا على حكمها، ولا يوجد للأولين فيها اجتهاد" (2) ·

ونخلص مما تقدم إلى أن توقف الاجتهاد يتنافى مع خصائص التشريع الإسلامي؛ لأن الإسلام والمسلمين سيواجهون باستمرار حاجات وأمورًا جديدة في مختلف الأزمنة والأمكنة · وتواجههم مشكلات تحتاج إلى حلول مناسبة ومستمدة من نصوص الشريعة وروحها · فتوقف الاجتهاد إذن، معناه جمود الفقه الشرعي، وعجزه عن تقديم الحلول الشرعية للحاجات المستجدة (1) ·

والذي يطلع على ماضي هذا التشريع، وينظر فيما كتبه أسلافنا في عالم الاجتهاد، وما خلفوه من تراث فقهي استطاع أن يعالج مشكلات الأمة الإسلامية في عصورها الزاهرة؛ يمتلئ إيمانًا ويقينًا بأن النصوص الشرعية القادرة على تلبية حاجات المجتمعات الإسلامية فيما مضى، وتحقيق مصالحها في مختلف شؤون الحياة، ما زالت قادرة -وبنفس القوة- على إمداد الفقه والاجتهاد بفيض زاخر من القواعد والنظريات القانونية والأحكام الشرعية؛ لأن ما ينطوي عليها من المرونة والعموم والاستيعاب والتعليل وتقرير المبادئ التشريعية الثابتة الخالدة، قد جعلها صالحة للعطاء في كل زمان ومكان ·

وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي أوقف حركة الإمداد في هذه النصوص؟ وما الذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت