فالتقوى الأولى عن الشرك ، والإيمان الذى في مقابلتها التوحيد ، والتقوى الثانية من البدعة ، والإيمان الذى ذكر معها إقرار عقود السنة والجماعة ، والتقوى الثالثة عن المعاصى الفرعية ، ولا إقرار في هذه المنزلة فقابلها بالإحسان وهو الطاعة والاستقامة عليها ، فتكون منزلة السنة ، ومنزلة استقامة الطاعة .
قال: وأنا وجدت التقوى بمعنى اجتناب فضول الحلال ، وهو ما روى في الخبر المشهور عن النبى صلى الله علية وسلم أنه قال: ( إنما سمى المتقون متقين لتركهم ما لا بأس به حذرًا عما به بأس ) (1) .
فهذه أقوال العلماء في معنى التقوى وأقسامها ولا شك أن اسم التقوى يسع ما ذكر ، وأحوال الناس معها لا تعارض ذلك ، فمن الناس من يقى نفسه الخلود في النار ، وذلك بالإقرار بالتوحيد وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم ولكنه لا يقى نفسه خلود النار بالكلية ،
فيفرط في الواجبات ويتلبس بالمخالفات ، فهذا نوع من التقوى وإن كان في أدنى درجاتها ،
ولا يستحق صاحبها إسم المتقى بإطلاق ، لأنه متعرض للعذاب مستحق للعقاب ،
إن لم تتداركه رحمة الله فإنه تعالى لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ،
ومن الناس من يتقى الكفر وكبائر الذنوب إلا إنه لا يتورع عن الصغائر ولا يكثر من النوافل .
فلا شك أنه أقرب للنجاة لقول الله عز وجل: ] إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا [ ( النساء: 31 ) وقوله صلى الله علية وسلم: ( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر ) . (1)
إلا أن لم يأخذ الجنة الكاملة من النار ، فلابد أن يكون هناك من التقصير في الفرائض والوقوع في الصغائر التى يخشى من المداومة عليها التجرؤ على الكبائر ، وليس له من نوافل الطاعات واجتناب الشبهات والمكروهات ما يكمل به تقوى العبد ،