الصفحة 12 من 35

إن عادوا إلى الإكراه , فعد إلى ما كان منك من النيل مني , وذكر آلهتهم بخير , وهو غلط , فإنه لا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يأمر أحدا بالتكلم بكلمة الشرك , ولكن مراده عليه الصلاة والسلام , فإن عادوا إلى الإكراه , فعد إلى طمأنينة القلب بالإيمان؛ وهذا لأن التكلم وإن كان يرخص له فيه , فالامتناع منه أفضل )) [1] ، وهذا التقرير منه رحمه الله حسن، فهو يدل دلالة قطعية على أن الأصل كان إطمئنان القلب، وليس التكلم، إذ الامتناع حينها أفضل، والركون إلى سلامة العقيدة والصبر على الإيذاء من شيم المؤمنين، ومن هنا حدد ابن عباس رضي الله عنهما التقية في مثل هذه المواطن: (( هو أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان ولا يقتل ولا يأتي مأثما ) ) [2] ، والسبب في التأكيد على سلامة القلب ضروري هنا لئلا يقع المسلم في مخاطر الكفر والشرك.

والشاهد على ذلك قصة عبيد الله بن أبي سرح فإنه كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أخذه المشركون , وأكرهوه على ما أكرهوا عليه عمار بن ياسر رضي الله عنه أجابهم إلى ذلك معتقدا , فأكرموه , وكان معهم إلى أن فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة , وقد كان من بين الذين أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمهم يوم الفتح، فجاء به عثمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يبايعه , قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (( إن عبد الله بن سعد بن أبي السرح اختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله بايع عبد الله قال: فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على أصحابه، فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟! فقالوا: وما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك هلا أومأت إلينا بعينك؟ قال: إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة أعين ) ) [3] ، ويروى عن أبي عبيدة في سبب نزول قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106] قال: (من كفر بعد إيمانه) عمار بن ياسر رضي الله عنه، وقوله تعالى: (ولكن من شرح بالكفر صدرًا) عبد الله بن أبي سرح [4] ، ومن المستبعد برأينا أن تصح هذه الرواية؛ لأن الآية مكية وقصة ابن أبي سرح مدنية.

(1) المبسوط: 24/ 44.

(2) المصدر نفسه.

(3) أبو داود، السنن، كتاب الجهاد، باب قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام: 3/ 59، رقم 2683؛ النسائي، السنن، كتاب تحريم الدم، باب حكم المرتد: 7/ 106، رقم 4067.

(4) ابن سعد، الطبقات: 3/ 250.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت